تتزايد بدرجة كبيرة أهمية القدرة على إثبات حقيقة الأشياء أكثر من أي وقت مضى بداية من التصوير الفوتوغرافي إلى العمل من المنزل. ومع القليل من التدخل، كان من الممكن للذكاء الاصطناعي خلق صورة أفضل لمحاولة اغتيال دونالد ترامب، على سبيل المثال، عبر جعل رأس ترامب أكبر ووضعه في وسط الإطار.

كذلك كان من الممكن تحسين الصورة الاستثنائية الأخرى التي التقطت في ذلك اليوم من خلال جعل الخط الرمادي في صورة دوغ ميلز، الحائز على جائزة بوليتزر، يبدو أشبه برصاصة بدرجة أكبر.

لكن في هذه الحالة، كان سيستعصي وصفهما كصورتين أيقونتين، ويكمن السبب وراء قوة الصور الأصلية التي التقطها كل من ميلز وإيفان فوتشي في حقيقة أننا نعرف أنها حقيقية، وثمة مقابلات وحسابات لا حصر لها أكدت ذلك.

إن حقيقة أن البشر لا يزال لديهم هذا الاهتمام الكبير بالمصداقية أمر رائع، حيث يتم إخبارنا كثيراً أن العالم يتحرك في اتجاه مختلف، لكن عموماً، يجب على الأفراد الحذر، فقد قال الاتحاد الأوروبي، منذ أيام، إن بيع علامات التحقق على موقع التواصل الاجتماعي «إكس» ينتهك لوائحه للمحتوى عبر الإنترنت؛ بسبب احتمالية «تضليل» المستخدمين من قبل جهات خبيثة.

ويجري التفكير كثيراً في علامات التحقق الزرقاء الصغيرة تلك، أو في الضجة التي حدثت خلال شهر مارس الماضي، عندما أشارت دوقة كامبريدج إلى تعديل إحدى الصور العائلية. وعلى الرغم من الانتشار الكبير للمحتوى الزائف، ما زلنا نكترث حقاً. فقد هيمنت محاذاة أكمام الأميرة شارلوت على الأخبار لأيام، كما لو أننا نقر بضرورة الدفاع عن الحقيقة، بغض النظر عن مدى ضآلة أو تفاهة الانتهاك.

إن الرأسمالية والديمقراطية تعتمدان على الثقة، وبمجرد السماح بإجراء تعديل ما على أحد ملفات الـ «بي دي إف»، سيصعب التكهن بالنتيجة: فسرعان ما قد تفقد البيانات الاقتصادية والمالية قيمتها، وكذلك نتائج الانتخابات.

وتكمن المشكلة في أن التقنيات الجديدة تجعل من الصعب كثيراً اكتشاف ما هو حقيقي، فالذكاء الاصطناعي التوليدي يمكنه محاكاة الشعراء، كما لا يمكن التمييز بين الماس المزروع في المختبرات وأحجار الماس المستخرجة من المناجم إلا بواسطة التحليل الطيفي للضوء.

ويطمع كثيرون في الحصول على ساعتي التي تحمل ماركة أوديمار بيغيه، رغم أنها مقلدة. والنظرية تقول إنه كلما تحسنت جودة البدائل قل الطلب على السلع الأصلية. لكن بدلاً من ذلك، يبدو أن العكس هو الصحيح: فمع تحسن المنتجات المقلدة، يزداد كثيراً تقديرنا للسلع الأصلية.

لذلك، وعلى سبيل المثال، زادت القيمة السوقية لشركة «إل في إم إتش» لصناعة السلع الفاخرة إلى 5 أضعاف ما كانت عليه قبل أكثر من عقد. ولا أحد مهتم حقاً بقراءة الأشعار التي ألفها الذكاء الاصطناعي، كما نتمنى لك حظاً سعيداً عندما تكتشف خطيبتك أن الماسة التي تزن ثلاثة قراريط في خاتم الخطبة صُنعت في الهند، لكن المشكلة الحقيقية هي أن الزيف سيصبح قريباً هو الفرضية السائدة.

وما لم يكن هناك دليل يدحضها، أو لا أحد يساوره الشك حيال مصدر تلك الصور لترامب، يصبح التحقق هو الضرورة الأساسية في عصرنا، فنحن نعيش في عالم يركز على منظور «المشتق الثاني»، حيث إثبات صحة شيء ما أكثر أهمية من العمل نفسه.

ونحن نشهد بالفعل مؤشرات على هذا الاتجاه، ولنأخذ على سبيل المثال مقاطع «ما وراء الكواليس» في نهاية الأفلام الوثائقية عن الحياة البرية، فقد كنت أعتقد أنها تتسم بالغرور وتعكر سحر الفيلم. لكن قريباً، قد نضطر حتى إلى مشاهدة كواليس مقاطع «ما وراء الكواليس».

وكالعادة، كان السير ديفيد أتينبورو، صانع الوثائقيات الشهير، سابقاً لعصره. فمن دون تلك المقاطع من وراء الكواليس، كيف كان لنا أن نصدق أي شيء رأيناه سابقاً؟ وهل حقاً كانت الفقمات تطارد سمكة قرش بيضاء ضخمة في البحر؟ حسناً، ربما حدث ذلك.

ولطالما أدركت صناعة الفن قيمة المصدر. فمجرد الإعلان عن أن العمل من نتاج سي تومبلي، الرسام الأمريكي، لم يكن كافياً. ويجب على الصناعات الأخرى الآن أن تسارع لتعزيز ممارسات وآليات التحقق، وتمتد هذه الحاجة إلى ما هو أبعد من بائعي أحجار الماس، لتشمل مصنعي المواد الغذائية والملابس، على سبيل المثال. وينطبق الأمر نفسه على الخدمات المهنية.

ويصبح تضارب المصالح أسوأ بصورة مضاعفة عندما تصبح المصداقية محل تقدير، كما هي الحال مع وكالات التصنيف وشركات المحاسبة. ولن تدوم الثقة العمياء في البيانات والخوارزميات لفترة أطول.

كما يتعين على المديرين الماليين الانتباه، فالمستثمرون المطلعون على المصدر سيصبحون أكثر تشككاً في البيانات المالية المنشورة. ووفقاً لما أوردته شركة «كالكبينش»، عززت التعديلات التي حددتها الشركات أرباح مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بمقدار الثلث تقريباً مقارنة بالأرقام المحاسبية القياسية، لذا، يمكن توقع ردة فعل عكسية فيما يتعلق بهذه الأرباح المعدلة.

ولا يقتصر الأمر على الشركات والفنانين في الحاجة إلى استراتيجيات لإثبات المصداقية، بل نحن جميعاً بحاجة إلى ذلك، بداية من طلاب المدارس الثانوية الذين يكتبون مقالات للمعلمين المتشككين إلى أولئك الذي يعملون من المنزل.

وفي الواقع، قام بنك «ويلز فارغو» الأمريكي الشهر الماضي بفصل نحو 12 موظفاً لتظاهرهم بمحاكاة نشاط لوحة المفاتيح، لخلق انطباع بأنهم منخرطون في العمل. ورغم أنها قصة مضحكة، إلا أنها بمثابة إنذار لما نحن مقبلون عليه.

إن رؤساء الأعمال، بل والزملاء لم يؤمنوا مطلقاً بالعمل عن بُعد، حيث يعتقدون أن الأشخاص لن يبذلوا أي جهد عندما تكون المغريات قريبة مثل التلفزيون أو الثلاجة؛ لذا، كان تتبع حركات الماوس رد فعل طبيعياً.

ويحتاج العاملون عن بُعد لبذل المزيد من الجهد لإثبات أنهم لا يتظاهرون بالعمل، ويمكن على سبيل المثال تثبيت كاميرا تعمل باستمرار، وارتداء جهاز تتبع. ويمكن للموسيقيين تصوير أنفسهم أثناء كتابة الأغاني، مثلما تفعل تايلور سويفت. وحال لم يقدم الروائي بيانات التعريف للنقر على لوحة المفاتيح مرفقة مع كتابه، يمكن أن نفترض أن «شات جي بي تي» قام بتأليفه.

قد تبدو هذه التدخلات وكأنها ممارسات أورويلية (حسبما وضعها جورج أوريل)، لكن إثبات حسن نوايانا هو الثمن الذي يجب أن ندفعه الآن للحفاظ على الشرعية والثقة. ومن حسن الحظ أننا لا نزال نقدر كليهما على الأقل.