الفيل الصغير الذي يحاول أن يقلب الأرجوحة القماشية المثبتة بين جذعي (بالم)، على شاطئ (كرابي) في جنوب تايلند، لا يتجاوز من العمر سنتين. لا أحد، على الأرجح، من المحيطين به، يعرف علاقة الفيلة بهذا المكان.
كريس، البريطاني الهارب من مدينة لندن، إلى الجزر، والذي يشرف على شركة لإمداد تقنيات التصوير تحت وفوق الماء.. يمده بالموز كي يصرفه عن الأرجوحة. ذلك الشاب، مربي الفيل، والذي ينتمي الى (غجر البحر)، إحدى المجموعات البشرية التي تستوطن المنطقة، يعرف كيف يجعل حيوانه يرقص وينفخ الايقاعات الموسيقية في آلة الهارمونيكا. السائحون، من مقيمي منتجع (hu1y bay)، احد فنادق (reserve) فائق الفخامة، التابعة لسلسلة (ريتز كارلتون)، يلوذون بجوزة الهند المشبعة بالعصير، والخلطات اللذيذة التي يقدمها مقهى (لي ليه)، المواجه لمياه محيط الأدنمان والشاطئ، هربا من شقاوة الفيل. يتقدمون. يهربون. يلتقطون الصور، قبل أن يعاودوا رشف المشروبات.
ثمة الكثير من حكايات اللعب في تاريخ هذه البقعة الجنوبية من المملكة التايلندية. لعب ديموغرافي تعكسه قصة المكان الذي حكمته ممالك السياميين والمسلمين، قبل ان يصبح جزءاً من تايلندا في بدايات القرن الماضي. لعب الطبيعة، حيث تتداخل عناصرها، من ماء وتراب وهواء ونبات، في هارمونية بهية، لا تزال تحتفظ بكامل زخمها، بعيداً عن ضغوطات السياحة التي تجعل الصور البراقة أحياناً، باهتة. وهناك لعب التصميم الهندسي المعتمد في منتجع (phulay bay)، الذي يضم 54 فيلا، تتراوح درجاتها بين الفلل الملكية والأكواخ الفخمة، مرورا بأكواخ المحيط وفلل الشاطئ وفلل الريزرف، بينما يتراوح قيمة متوسط الإقامة في احدها لليلة واحدة 800 دولار أميركي وصولا إلى ألفي دولار. يقول المصمم التايلندي العالمي، الذي استلهم من الثقافة الآسيوية، كما الشرق أوسطية الإسلامية، في تصميمه أبنية وممرات ومطاعم المنتجع: أهوى أن ألعب حين أضع تصميماتي. من دون اللعب، لا تستطيع أن تبدع. ألعب ثم أتيح مجالا لتصميمي أن يخلق لدى الزائر حلما أو فانتازيا. كذلك اهتم كثيرا بأن أجعل التصميمات الداخلية للغرف تقود إلى آفاق خارجية لا تحدها أي حدود.
إن سريرا يبلغ طوله ثلاثة أمتار، وعشرات المرايا التي تقارب الارتفاع ذاته، كما تلك الأقواس بين الأسقف والجدران الملونة بالباذنجاني القاني، مع المفعول الذي يتركه وجود حوض سباحة في فلاء حديقة خاصة (تكاد تكون سرية)، وحوض آخر عند مدخل الغرفة، ومساحة استحمام محاطة بألواح زجاجية تمتع النظر إلى الحديقة، وآخر في الهواء الطلق.. إضافة إلى الأسقف التي تسمح لضوء النهار بالنفاذ مباشرة لكي يضيء الغرف، وحوض الاستحمام المثبت في وسط البهو؛ كل ذلك لا يمكن إدراجه، فعلا، سوى تحت العبارة التالية: هذا المهندس العبقري يلعب فعلا معنا.. يبهرنا، ويجعلنا غير قادرين على توقع المزيد. لكن المزيد موجود فعلا لدى تفقد المطاعم، المبنية وسط بيئة من الأشجار والمياه، وكذلك المساحات المصممة للاسترخاء في مواجهة مياه المحيط، وأيضا الخيمة العملاقة التي تستقبلك لدى ولوجك إلى الفندق من بين جدران يصل ارتفاعها إلى 20 قدما.. المزيد ستراه ليلا، حين تضفي الإضاءة التجميلية بعدا آخر على عبقرية الهندسة في الممرات التي تفصل الفلل بكل الأساليب: العشب، جسور الخشب، قطع الحجر الصخري، المياه التي تحتضن السمك وزهور الأوركيد، قطع الرخام، وحين تقف مديرة المنتجع، أرجنتينية الأصل، استيليا سيبيتو، بوجهها الجذاب الذي يوحي بالحكمة والشغف، قرب ما يقارب الفي شمعة مضاءة ليلا.
تقول: أردنا أن يكون هذا الفندق، وهو الأول من ضمن سلسلة (ريزرف) في العالم، ملجأ حقيقيا للراغبين بالهرب من حياتهم الاعتيادية، الى حياة جديدة فيها الحلم والخيال والفخامة، ولا يمكن بطبيعة الحال تجاهل عامل التفرد وما له من جاذبية. تشرح: لدينا 16 فيلا من فئة (السغناتشير فيلا).
حرصنا على ألا تكون احداها نسخة عن الأخرى. ستجد في كل واحدة تفصيلات مختلفة عن الأخرى. زبائننا يبحثون عن فخامة استثنائية وعيش تجربة لا يمكن لنزيل آخر في الوقت ذاته ان يعيش نسخة منها. انهم يسعون الى التفرد ونحن نؤمنه.
وتقود استيليا فريقا من خبرات (الريتز كارلتون) التي تم استقدامها من مختلف أنحاء آسيا والعالم، من أجل الإشراف على افتتاح الفندق، حديث العهد. اذ يضفي تخالط الجنسيات السنغافورية والهندية والأميركية والاسبانية والنيبالية، مع التايلندية المحلية بتنوعاتها، إضافة إلى عشرات المدن التي أمضى فيها هذا الفريق أجزاء من سيرته المهنية.. يضفي ذلك جوا عالميا، تعززه خبرة (الريتز)، ومحليا في الوقت ذاته، تعززه الطبيعة والتصميمات والخدمات والمأكولات التي تستلهم من البيئة المحلية.
في نهاية القرن الثامن عشر، جاء الى هذه المنطقة رجل اسمه برا بالاد. كان مبعوث الملك وكانت مهمته تقضي بإنشاء مخيم ضخم للفيلة، للحرص على عدم وجود شح في الإمدادات التجارية التي كانت تعتمد على ركوب هذا الحيوان الضخم. حول مخيم الفيلة، بنيت حاضرة صغيرة اسمها كرابي.
كبرت وتوسعت وأصبحت اليوم مقصدا لآلاف السواح الذين يأتون الى جزرها وشواطئها للاستجمام وممارسة الغوص وتسلق الجبال واكتشاف الكهوف وغيرها، لعل ذلك الفيل ابن السنتين، الذي لا يزال يشاكس الأرجوحة على شاطئ (phulay bay)، ينحدر من سلالة الفيلة الأولى، أم هو سائح أيضا في تلك المنطقة الخلابة؟
كرابي في سطور
يبلغ عدد سكان مدينة كرابي 25 الف نسمة، وهي عاصمة الولاية والمحافظة التي تحمل الاسم ذاته. تاريخيا، حكمتها مجموعات اسلامية، من بينها مملكة فطاني، التي كانت تشمل سبع ولايات اسلامية تعيش الى جانب الولايات السيامية (التايلندية)، قبل أن يسلخ عنها الحكم الانجليزي لماليزيا المجاورة ثلاث ولايات. يدين السكان بالبوذية والاسلام، اضافة الى جماعات مسيحية، وتعتمد على الصيد وزراعة المطاطن كما انها اصبحت وجهة سياحية تنافس، في السنوات الخمس الماضية، بوكيت القريبة منها.
تحتوي على مطار وتسيّر اليها رحلات يومية من بانكوك، وفيها أيضاً محمية وطنية وأسواق ليلية وامكنة ترفيهية.