في تطور علمي قد يغير طريقة دراسة الخلايا الحية، ابتكر باحثون تقنية مجهرية جديدة تتيح تصوير أدق التفاصيل داخل الخلايا بدقة فائقة، من خلال التقاط صورة واحدة بتعريض ضوئي واحد، بدلاً من الاعتماد على مئات أو آلاف الصور التي تتطلبها تقنيات التصوير التقليدية عالية الدقة.
وتتيح التقنية الجديدة، التي تحمل اسم "التصوير بتقلبات التألق المستحث بالاستقطاب المكاني"، رصد تراكيب خلوية دقيقة يصل حجمها إلى نحو 160–170 نانومتراً، مع تحسين دقة الصور بمقدار يصل إلى الضعف، حتى عندما تكون الخلايا حية وتخضع لتغيرات وحركات مستمرة.
وطوّر التقنية فريق بحثي بقيادة ألكسندرا رادينوفيتش، من مختبر بيولوجيا النانو (LBEN) في كلية الهندسة بالمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL)، ونُشرت نتائج الدراسة في دورية "أساليب الطبيعة" العلمية.
وعلى مدى سنوات، أسهمت تقنيات المجهر فائق الدقة في إحداث نقلة نوعية في علم الأحياء الخلوي، بعدما أتاحت رؤية تراكيب لا تستطيع المجاهر الضوئية التقليدية تمييزها بوضوح.
لكن هذه التقنيات تواجه تحدياً رئيسياً عند التعامل مع الخلايا الحية، إذ تعتمد العديد منها على التقاط سلسلة طويلة من الصور، ثم تحليل التغيرات الطفيفة في الضوء المنبعث من جزيئات الفلورسنت ودمج البيانات للحصول على صورة أكثر وضوحاً ودقة.
وتنجح هذه الطريقة مع الخلايا المثبتة كيميائياً، التي تبقى تراكيبها مستقرة أثناء التصوير، لكنها تصبح أكثر صعوبة عند مراقبة الخلايا الحية، نظراً إلى أن مكوناتها لا تتوقف عن الحركة والتغير؛ فالميتوكوندريا، المسؤولة عن إنتاج الطاقة، تغير أشكالها باستمرار، فيما تعيد الأنابيب الدقيقة تنظيم بنيتها، وتتحرك المادة الوراثية داخل الخلية.
وبالتالي، فإن الوقت اللازم لالتقاط صور متعددة قد يؤدي إلى تحرك هذه التراكيب قبل اكتمال عملية إعادة بناء الصورة النهائية، ما يتسبب في فقدان التفاصيل الدقيقة أو ظهورها بصورة مشوشة.
وقال الباحث الأول في الدراسة، وي غو، طالب الدكتوراه في مختبر بيولوجيا النانو، إن الأساليب السابقة اعتمدت على المعلومات الزمنية لتحسين الدقة المكانية، وهي مقاربة لا تحقق النتائج المرجوة عند تصوير الخلايا الحية سريعة الحركة.
الضوء الفلوري
وللتغلب على هذه المشكلة، استعان الباحثون بخاصية فيزيائية للضوء الفلوري تُعرف باسم "الاستقطاب"، إذ إن الضوء المنبعث من الجزيئات الفلورية يتذبذب في اتجاهات محددة تتأثر باتجاه الجزيئات نفسها.
وتحمل هذه الاختلافات في اتجاهات الضوء معلومات مكانية دقيقة يمكن الاستفادة منها في تحديد مواقع التراكيب الخلوية، وهي معلومات لا تستغلها تقنيات التصوير الفلوري التقليدية بصورة كاملة.
وتعتمد تقنية SPIFFI على تقسيم الضوء المنبعث من العينة إلى أربع قنوات، تستجيب كل منها لمكوّن مختلف من مكونات الاستقطاب، ثم تقارن الصور الأربع التي تُلتقط خلال التعريض الضوئي نفسه، لاستخلاص التفاصيل البنيوية الدقيقة دون الحاجة إلى تجميع بيانات من مئات اللقطات المتتابعة.
وأثبت الفريق كفاءة التقنية من خلال تصوير الميتوكوندريا والأنابيب الدقيقة داخل الخلايا الحية، فضلاً عن رصد التراكيب الخلوية أثناء اندماجها وانقسامها، وهي عمليات سريعة يصعب تتبعها باستخدام الأساليب التي تتطلب تعريضات متعددة لإنتاج صورة واحدة فائقة الدقة.
تغيرات
ومن أبرز ما يميز الابتكار أنه لا يكتفي بإنتاج صور عالية الدقة، بل يتيح أيضاً تحويل اللقطات المتتابعة إلى مقاطع فيديو فائقة الدقة، تكشف التغيرات التي تحدث داخل الخلايا لحظة بلحظة.
فبدلاً من الحاجة إلى التقاط مئات الصور لإنتاج إطار واحد فائق الدقة، توفر التقنية صورة محسّنة مع كل عملية تعريض للكاميرا، ما يسمح بإنشاء تسلسل مصور للحركة الخلوية دون التضحية بالتفاصيل المكانية الدقيقة.
وأوضح غو أن التقنية تتيح للمرة الأولى إنتاج فيديوهات فائقة الدقة للخلايا الحية، مشيراً إلى أن دمج صور SPIFFI مع أساليب أخرى تعتمد على تحليل تقلبات الإشارات الفلورية خلال المعالجة اللاحقة أسهم في الوصول إلى دقة تقارب 80 نانومتراً.
استخدامات علمية
ويعمل الفريق البحثي حالياً على تطوير نسخة أكثر إحكاماً من نظام التصوير، مع دمجه بتقنيات المجهر ثلاثي الأبعاد، بما يوسع نطاق استخداماته العلمية والتطبيقية.
ونظراً إلى إمكانية دمج مكونات SPIFFI البصرية في المجاهر الفلورية الموجودة بالفعل، فإن التقنية قد تصبح أداة واعدة في مجالات متعددة، تشمل بيولوجيا الخلية، وعلم الأعصاب، والفيزياء الحيوية، واكتشاف الأدوية.
ومن شأن هذا التطور أن يمنح العلماء قدرة أكبر على متابعة التغيرات الدقيقة والسريعة داخل الخلايا الحية، وفهم كيفية تفاعل مكوناتها، ورصد العمليات البيولوجية التي يصعب التقاطها بالوسائل التقليدية، بما يعزز فرص التوصل إلى اكتشافات جديدة في فهم الأمراض وتطوير العلاجات.

