في وقت كانت فيه الأنظار تتجه إلى ترتيبات ما بعد الحرب في الشرق الأوسط، عادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، مع تصاعد التحذيرات الأممية بشأن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، وتزايد الانتقادات الدولية للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، بالتزامن مع خطوات أوروبية جديدة تستهدف النشاط الاستيطاني، وهو ما يعكس اتساع الضغوط السياسية والإنسانية على إسرائيل رغم استمرار وقف إطلاق النار في غزة.
وفي هذا السياق، دعا وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، المجتمع الدولي إلى إعادة تسليط الضوء على قطاع غزة، مؤكداً أمام مجلس الأمن أن الاتفاق الأمريكي الإيراني وآمال تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان يجب ألا تحجب الأزمة الإنسانية المستمرة في القطاع.
وقال فليتشر إن غزة لم تعد مصنفة رسمياً على أنها تعاني من مجاعة، لكنها ما زالت تواجه أزمة إنسانية حادة بعد أشهر من وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن الفلسطينيين لا يزالون محرومين من الأمن والمأوى والمياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم.
وأضاف أن نحو 70 في المئة من سكان القطاع يحتاجون إلى مأوى مناسب، فيما لا يوجد أي مستشفى يعمل بكامل طاقته، وسط تدهور مستمر في الأوضاع الصحية وانتشار الأمراض ونقص الإمدادات الأساسية.
وأكد المسؤول الأممي أن غزة لا تزال أخطر مكان في العالم بالنسبة للعاملين في المجال الإنساني، مشيراً إلى مقتل نحو 60 من موظفي الإغاثة خلال سنوات الحرب.
ودعا الأمم المتحدة إلى فتح جميع المعابر الحدودية ورفع القيود المفروضة على دخول المواد الأساسية، بما في ذلك الوقود والمعدات الطبية وقطع الغيار، وتسهيل عمليات الإجلاء الطبي.
وفي جلسة مجلس الأمن نفسها، شدد فليتشر على أن سكان غزة يستحقون استعادة «كرامتهم» وليس مجرد البقاء على قيد الحياة، قائلاً إن توفير الحد الأدنى من الغذاء لا يمكن أن يكون سقف الطموح الدولي بينما يواجه الأطفال القصف والتشرد والحرمان من التعليم.
«وهم قاتل»
ومن جانبها، وصفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» وقف إطلاق النار في غزة بأنه تحول بالنسبة للأطفال الفلسطينيين إلى «وهم قاتل».
وقال المتحدث باسم المنظمة جيمس إلدر، في تصريحات أدلى بها من العاصمة الأردنية عمّان وعُرضت أثناء مؤتمر صحفي في جنيف، إن 265 طفلاً فلسطينياً قتلوا منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، فيما أصيب أكثر من 400 طفل آخرين.
وأضاف أن معظم هؤلاء الأطفال قتلوا في غارات أو عمليات عسكرية إسرائيلية، معتبراً أن استمرار سقوط الضحايا يقوض مصداقية وقف إطلاق النار ويكشف استمرار المخاطر التي يواجهها المدنيون في القطاع.
كما حذر من أن مئات الأطفال بحاجة ماسة إلى الإجلاء لتلقي العلاج الطبي. وأضاف: «استمرار قتل الأطفال ليس نتيجة لقلة الخيارات، بل لغياب الإرادة السياسية».
وفي موازاة التحذيرات الإنسانية، تتزايد الضغوط الدولية المرتبطة بالاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.
وأعلنت الحكومة النرويجية أنها تعتزم فرض حظر على تعامل مواطنيها وشركاتها مع السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقال وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي، إن مشروع القانون المقترح يهدف إلى منع استفادة الشركات والأفراد من أنشطة تدعم استمرار الاستيطان، الذي تعتبره أوسلو مخالفاً للقانون الدولي.
وفي الضفة الغربية، أفادت مصادر فلسطينية بأن مستوطنين هاجموا منزلاً في بلدة كفل حارس شمال سلفيت، وحطموا أربع مركبات، بعد يومين من حوادث استهدفت مسجدين في منطقة رام الله.
وكانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا قد فرضت خلال الأشهر الماضية عقوبات على مجموعات إسرائيلية متطرفة بسبب أعمال عنف ضد فلسطينيين في الضفة الغربية.
أكبر توسع إسرائيلي
وفي تطور آخر يعكس تصاعد الجدل حول السياسات الإسرائيلية، أظهر تقرير لوكالة أسوشيتد برس أن إسرائيل فرضت منذ اندلاع حرب غزة سيطرة عسكرية على مساحات واسعة في غزة وجنوب لبنان والمنطقة العازلة في سوريا، في أكبر توسع للأراضي الخاضعة لسيطرتها العسكرية منذ عقود.
وبحسب التقرير، تسيطر إسرائيل حالياً على أكثر من 60 في المئة من مساحة قطاع غزة، إضافة إلى مناطق داخل جنوب لبنان والمنطقة العازلة في الجولان السوري، فيما تقول إن هذه الإجراءات ضرورية لمنع الهجمات المستقبلية وتعزيز أمنها.
لكن هذه التطورات تثير مخاوف متزايدة لدى الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية ودول غربية من أن تتحول الترتيبات العسكرية المؤقتة إلى واقع طويل الأمد يفاقم تعقيدات الصراع ويقلص فرص التوصل إلى تسوية سياسية دائمة.