تراجع تاريخي في الهجرة.. كيف غيّرت سياسات ترامب مشهد الحدود الأمريكية المكسيكية؟

شهدت الحدود الأمريكية المكسيكية تحولًا جذريًا في السنوات الأخيرة، حيث انخفضت حالات العبور غير الشرعي إلى أدنى مستوياتها منذ عقود. الملاجئ التي كانت مكتظة سابقًا بالمهاجرين أصبحت شبه فارغة، وبدأ العديد من العالقين في المكسيك بالعودة إلى ديارهم بأعداد متزايدة.

هذا التغيير الملحوظ يأتي بعد سلسلة من السياسات والإجراءات التي اتخذتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.

ففي نهاية ولاية الرئيس جو بايدن، تم فرض قيود صارمة على طلبات اللجوء، مما أدى إلى انخفاض حاد في عمليات العبور غير القانونية، ومع تولي الرئيس دونالد ترامب منصبه، تم تعزيز هذه السياسات بإجراءات أكثر تشددًا، شملت تعليق اللجوء إلى أجل غير مسمى للأشخاص الذين يعبرون الحدود الجنوبية بشكل غير قانوني، ونشر القوات لمطاردة وتخويف عابري الحدود، والترويج لعمليات الترحيل على نطاق واسع، والضغط على حكومات أمريكا اللاتينية، مثل المكسيك، لبذل المزيد من الجهود للحد من الهجرة.

وفقًا لبيانات دورية الحدود الأمريكية، تم في فبراير الماضي القبض على 8,347 شخصًا كانوا يحاولون عبور الحدود بشكل غير قانوني، وهو انخفاض كبير مقارنةً بالرقم القياسي الذي تجاوز 225,000 حالة اعتقال في ديسمبر 2023. هذا الانخفاض يعكس تحولًا كبيرًا في ديناميكيات الهجرة في المنطقة.

في المكسيك، يواجه المهاجرون تحديات جديدة، فبعضهم يخطط للاستقرار في المكسيك، بينما يسعى آخرون للعودة إلى ديارهم. وارتفع عدد المهاجرين الذين يطلبون المساعدة للعودة إلى بلدانهم إلى 2,862 في شهري يناير وفبراير وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة.

إذا استمر هذا الاتجاه لمدة عام كامل، فقد تنخفض مخاوف المهاجرين في الولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 1967 تقريبًا، وفقًا لآدم إيزاكسون، خبير الهجرة في مكتب واشنطن لأمريكا اللاتينية، وهي منظمة غير حكومية.

انخفاض حاد

وهناك دلائل على انخفاض حاد في أعداد المهاجرين في المنطقة الجنوبية أيضًا، فقد انخفض عدد الأشخاص الذين يحاولون الوصول إلى الولايات المتحدة عبر ممر داريان - الجسر البري المحظور الذي يربط بين أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى، والذي يُعدّ مؤشرًا على الضغوط المستقبلية على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك - إلى 408 في فبراير، مقارنةً بأكثر من 37,000 في الشهر نفسه من العام الماضي، وفقًا لمعهد الهجرة في بنما.

وقال كينيث تي كوتشينيلي القائم بأعمال نائب وزير الأمن الداخلي السابق في إدارة ترامب الأولى، إنه في عهد بايدن، "روجت قيادة البيت الأبيض لرواية العجز عندما يتعلق الأمر بالهجرة". وأضاف كوتشينيلي، وهو من أشدّ المتشددين في قضايا الهجرة: "تأمين الحدود أمرٌ سهلٌ إذا توافرت الإرادة للقيام به". وأشار إلى أنه في إدارة ترامب الأولى، لم تكن لدى ترامب الإرادة للقيام بذلك، لكنه الآن يمتلكها.

المشاعر السياسية

وشهدت المشاعر السياسية في الولايات المتحدة تحولًا أيضًا. فالقادة الذين دافعوا يومًا ما عن مدنهم كملاذٍ للمهاجرين، أصبحوا أكثر هدوءًا في مقاومتهم لسياسات ترامب. وقد سلّط بعض حكام الولايات الديمقراطيين الضوء على مجالات التعاون المحتملة في مجال إنفاذ قوانين الهجرة.

ومنذ توليه منصبه في يناير واصل ترامب تطبيق إجراءاته المناهضة للهجرة. شملت هذه الإجراءات استخدام القاعدة العسكرية الأمريكية في خليج غوانتانامو بكوبا لاحتجاز المهاجرين، ونشر منشورات إلكترونية للضغط على المهاجرين المحتملين وتهديدهم، والتعهد بإلغاء تأشيرات المسؤولين الأجانب الذين يُعتقد أنهم يُسهّلون الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة.

 هدوء 

مع ذلك، هناك محاذير كثيرة، فقد ثبت أن هدوءًا مشابهًا في الهجرة في بداية ولاية ترامب الأولى، وإن كان أقل حدة من التراجع الحالي، كان مؤقتًا. ويحذر خبراء الهجرة من أن العقوبات والإجراءات الأخرى التي تستهدف فنزويلا وكوبا، وهما مصدران رئيسيان للهجرة، قد تؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية في هذين البلدين، وتؤدي إلى نزوح جماعي جديد.

تحذير خبراء الهجرة

على الرغم من هذه التطورات، يحذر خبراء الهجرة من أن العقوبات والإجراءات الأخرى التي تستهدف دولًا مثل فنزويلا وكوبا قد تؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية فيها، مما قد يتسبب في موجات هجرة جديدة. كما أن التوترات التجارية والسياسات الاقتصادية قد تؤثر على استقرار المنطقة وتزيد من الضغوط على الأسر الفقيرة، مما يدفعها إلى البحث عن فرص أفضل في أماكن أخرى.

في المجمل، يعكس هذا التحول في سياسات الهجرة الأمريكية تأثير السياسات المتشددة على تدفقات الهجرة، ولكنه يثير أيضًا تساؤلات حول الأسباب الجذرية للهجرة وكيفية معالجتها بفعالية ودون الإضرار بحقوق الإنسان.