أن يكون المرء نائبا برلمانيا عن ولاية سطيف ثاني اكبر ولايات الجزائر سكانا، مسؤولية ثقيلة... فالولاية هي أكثر مناطق الجزائر نموا على مدى السنوات العشر الأخيرة لكنها تبقى مجالا مفتوحا لمزيد من الاستثمار وتحتاج لمزيد من الاعتناء بسكانها البالغ عددهم نحو مليوني نسمة. وهو ما تسهر عليه النائبة في البرلمان نعيمة فرحي منذ أربع سنوات. هي محامية عمرها 35 عاما، نشأت في عائلة مثقفة ولم تخطئ الطريق اجتهدت وحالفها النجاح منذ الانطلاق.
قالت لقد حلمت وتمنيت فوصلت إلى ما أردت. تخرجت من كلية الحقوق وصارت في الثانية والعشرين أستاذه للقانون الدستوري بجامعة سطيف، ودخلت ميدان المحاماة فكان لها تدريبا على التكفل بمشاكل الناس ومتطلباتهم ونشطت في عديد الجمعيات الخيرية والإنسانية، قبل ان تنتخب لعضوية البرلمان عام 2007. وسعت مجال قناعتها بأن «الدفاع عن الآخرين هو قمة العطاء».
معارك مستقبلية
نعيمة فرحي حذرة لا تجيب على كل ما يطلب منها وان ردت فباقتضاب... تفكر وتحسب ما تقول ربما لتوفير جهودها لمعارك مستقبلية، فهي اليوم شابة وما ينتظرها أكثر تعقيدا مما خلفته وراءها.
في هذا الحوار الذي خصت به «البيان» تحدثت عن تجربتها تحت قبة البرلمان والتعامل مع من حملوها إلى ذلك المنصب من سكان ولايتها وأيضا عن المرأة وخصت بالإعجاب سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك التي قالت إنها شخصية قيادية كبيرة ومثال لنساء العرب والعالم. وهنا الحوار كاملا.
اخترت لحملتك الانتخابية الأولى في حياتك شعارا بسيطا «الجزائر للجميع» ما المغزى؟
«نعيمة فرحي»: الجزائر للجميع معناها ـ ببساطة كما جاء في السؤال ـ ان الجزائر تتسع لكافة الجزائريين للعيش في سلام ورخاء لان البلاد حررها الجميع ويستفيد منها الجميع أيضاً في جميع الميادين.
دخلت البرلمان منذ قرابة أربع سنوات وهي تجربتك السياسية الأولى... كيف وجدت العمل في هذه المؤسسة وما نشاطك بها؟ وماذا أعطتك التجربة البرلمانية كزاد في حياتك؟
تجربتي في البرلمان أعطتني الكثير من المعارف والأفكار في التنظيم والتنظير والتسيير لمختلف شؤون الحياة تعلمت بفضلها فن الحوار وأسلوب الإقناع في الدفاع عن مطالب الشعب خارج المحاكم ومجالس القضاء، التي كنت أرافع فيها قبل ولوج البرلمان. فالمشاركة في النقاشات العامة والجلسات وعمل اللجان وإعداد وطرح الأسئلة الشفوية على أعضاء الحكومة وتقديم الاقتراحات وانشغالات المواطنين اقتراح التعديلات والحلول والمشاريع، وما إليها من المهمات التي أقوم بها كنائب كلها عوامل تساعد على تراكم الخبرة وتطوير القدرة على التفاوض.... هي إذن تجربة كبيرة وغنية فلأول مرة منذ اختلاطي بالقوانين بات لي رأي في مناقشة القانون قبل سنه، فبعيدا عن السلطة التشريعية ما كان لنا إلا أن ننفذ القوانين بايجابياتها أو سلبياتها.
التعامل مع الجمهور
أنت نائبة عن سطيف واحدة من أجمل مدن البلاد وعاصمة ثاني اكبر ولاية في الجزائر بمقياس عدد السكان. كيف تقدرين المسؤولية وماذا قدمت لولايتك من خلال الاقتراحات في البرلمان؟ وكيف تتعاملين مع الجمهور الذي تمثلينه في سطيف؟ وما أهم ما يطرحه الناس عليك وكيف تستقبلينهم؟
تمثيلي لولاية كبيرة كسطيف يضعني أمام مسؤولية كبيرة وأمام تحد اكبر... أجد نفسي لاستطيع الغياب عن الدائرة الانتخابية أكثر من ثلاثة أيام متواصلة لان ذلك يضع أعمال مكتب المداومة تحت ضغط كبير. تمثيل الجمهور شيء صعب ولكن الاستماع لانشغالاته والسعي للتكفل بها يعطيني راحة ويجعلني في وضع مريح، لذا فالاستقبال الجيد والاستماع الحسن يبدد المخاوف ويوفر عوامل نجاح مهمة التكفل بانشغالات المواطنين. فالشعب اليوم بحاجة لمن يخدمه ولا لحزب يمثله.
صارت مقاطعة الجزائريين للانتخابات من بين أهم الطقوس السياسية في البلاد ففي تشريعات 2002 كان عدد المصوتين 46 بالمائة من عدد المسجلين وتقلصت النسبة إلى 36 بالمائة عام 2007، ويقال انه حين لا يقدم الناس على المشاركة في الانتخابات فثمة احتمالات، إما للثقة المفرطة في المؤسسات القائمة وإما لموقف معاكس تماما فأيهما ينطبق في رأيك عن إحجام الجزائريين على المشاركة في الانتخاب.؟
أولا أرى إن العزوف الانتخابي سلوك منتشر في دول العالم التي تجري فيها الانتخابات. واعتقد انه عندنا يتصل بعدم قدرة المرشحين على إقناع الناس وسحبهم للمشاركة في الاقتراع.
أداء البرلمان
هل أنت راضية على أداء البرلمان الجزائري كما هو، مع ما يقال عن كونه غرفة مصادقة على قوانين معدة سلفا من الحكومة؟
أعتقد أن أداء المؤسسة التشريعية في الجزائر اليوم يتماشى والتطورات الحاصلة في البلاد من حيث نوعية القوانين إما عن تعديلها أو تمريرها كما أعدتها الحكومة في شكل مشاريع، فهذا يعود لأغلبية الأعضاء التي تمثل أحزابا ذات برامج قديمة تجاوزها العصر. فبعض الأحزاب لم تراجع برامجها ولم تكيفها مع المستجدات والتغيرات التي طرأت على المجتمع وظلت على حالها منذ التأسيس.
هل فتح لك البرلمان آفاقا للمشاركة في فعاليات دولية؟
نعم شاركت في العديد من المنتديات واللقاءات ما بين محلية ودولية وساهمت بعدة مداخلات لدى منظمات نسائية وأنا عضو في لجنة الصداقة البرلمانية الجزائرية ـ الإماراتية ومثيلتها مع برلماني تركيا وألمانيا..في بداية عهدتي البرلمانية كنت من أصحاب مبادرة تكتل مجموع النواب الغير منتمين إلى كتل برلمانية حزبية وقد شكلنا كتلة من 45 نائبا سميناها كتلة الاتحاد وتحصلنا علي كافة امتيازات الكتل الموجودة داخل البرلمان، لكن لم يعترف بها رسميا.
ماذا تعرفين عن نشاط سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك؟
الكثير، وأحاول أن اختصر... بالنسبة لسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك فهي معلم كبير وهي والحق مفخرة نساء العرب بل نساء العالم وما قدمته هذه السيدة المحترمة يجعلنا ننحني لها إجلالا وعظمة على شجاعتها، ما أعلمه ان أول جمعية نسائية تأسست في الإمارات كانت برئاستها وبعدها توالت الجمعيات في مختلف إمارات الدولة، كجمعية النهضة النسائية في دبي، جمعية ام القيوين وجمعية الاتحاد النسائية في الشارقة ثم جمعية أم المؤمنين في عجمان. وقد استجابت هذه الجمعيات لدعوة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك لتشكيل تجمع نسائي عام في الدولة ترأسته سموها عام1975وعمل هذا الاتحاد على وضع وتنفيذ استراتيجيات وطنية عززت من الوجود النسوي في الدولة باعتبارها دولة خليجية تنتمي لمنطقة محافظة عموما، وهذا الوجود تجسد في ثمانية قطاعات رئيسية في الدولة: التعليم، الصحة، الاقتصاد، الإعلام، السياسة، والعمل الاجتماعي وكذا البيئة والتشريع. فضلا عما قدمته من مجهود وعطاء للإنسانية.
المرأة والسياسة
مكانة المرأة قوية في مختلف المجالات المهنية، لكن تواجدها السياسي في المؤسسات ضعيف. ولزيادة عدد النساء في المجالس المنتخبة مثلا يطرح البعض تحديد نسبة حضور مسبقة بصيغة المحاصصة أو « الكوتة« هل توافقين.
لا، في رأيي هذا الأسلوب لا يناسبنا، وأنا لا أؤمن بسياسة الكوتة... اعتقد ان هذا غير وارد عندنا. تواجد المرأة في المناصب السياسية وقيادتها للبلاد ليست مشكلة قانونية. المسألة سياسية تتصل بالعمل والعطاء، فمن كان الاجدر بالمنصب من الجنسين ناله... هذا هو التصور السليم... المهم الكفاءة والقدرة وليس التمثيل الشكلي ومتى فرضت المرأة نفسها سياسيا وصلت إلى المناصب السياسية تماما كما فعلت حين وسعت مجالها وقوت حضورها اجتماعيا ومهنيا كما ذكرتم في السؤال... وأود ان ألاحظ ان التعديلات التي طرأت على الدستور قبل عامين تصب في تعزيز مكانة المرأة السياسي دون ان تفك الارتباط مع موضوع الكفاءة.
حدث الساعة هو الغليان الذي ينتقل من بلد عربي لآخر. كيف تنظرين إلى ما جرى في تونس ومصر ويجري هذه الأيام في ليبيا واليمن وأقطار عربية أخرى؟
الغليان الشعبي اليوم في البلدان العربية أمر طبيعي لان حاجات المجتمعات تزداد يوميا والبطء في معالجتها يدفع للتصادم والانفلات وكما يقول المثل فالخيل تجري على مساويها، ويضرب هذا المثل على الرجل الذي تنال منه الحاجة على ضعفه ونقصان حيلته.كما الأجيال العربية الجديدة تهاونت بعض الشيء واستسلمت لليأس حتى قبل ان تقتحم الحياة، ورأت في الرضوخ خير سبيل للعيش الآمن، ونسيت ان الحياة، نضال وسعي وإقدام، وكما قال الشاعر: من يهن يسهل الهوان عليه ـــ ما لجرح بميت إيلام.وهذا لا يعني ان يكون الإقدام تهورا وطيشا وجنونا.
نجحت في الدراسة وفي المهنة التي اخترتها وفي الحياة وانت تمارسين السياسة والتشريع لأجل بلدك... من هذا الموقع النموذج للمرأة والشباب ماذا تقولين للمرأة العربية والشباب العربي
أقول للشبان والشابات الجزائريين والعرب: ان النجاح يقطف ولا يعطى ومن لا يعمل ينقرض، وان لا يقترب من البحر من جهل العوم. وان التعلم والبحث واستشارة ذوي الألباب ليس عيبا «من سبقك بليلة سبقك بحيلة» كما يقول المثل الشعبي عندنا. وأقول له أيضا نيل المعالي هول العوالي، ودرك الأحوال في ركوب الأهوال، بالصبر علي لبس الحديد تتنعم في الثوب الجديد، في الصبر علي النوائب إدراك الرغائب، ورب قعدة تمنع قعدات، وأكلة تمنع آكلات.
وسط ضجيج السياسة وهموم المحاكم هل بقي مكان للهواية؟
ليس هواية فقط...هواياتي كثيرة كل حسب درجة اهتمامي: أهوى المطالعة في جميع المجالات اتصفح النت باستمرار أمارس الرياضة أهوى قيادة سيارات السرعة... وحاليا أصبحت هوايتي المفضلة الجلوس مع الناس والاستماع لهم وكم تغمرني السعادة حين أوفق في حل مشاكلهم.
مطبخ وكتاب
مع كل هذه الهوايات هل وجد الطبخ مكانا بين اهتماماتك؟
فن الطبخ هو متعتي والتوفيق بين المطبخ والبرلمان والمحاماة يتطلب التنظيم المحكم وتوزيع الوقت بطريقة جيدة فلكل مقام مقال.
ما آخر كتاب قرأت
آخر كتاب قرأت كان باللغة الفرنسية، أهداني إياه صديق وهو «صخر تانيوس ٌم ُْكومْ لم ُّفَىَُّ » للكاتب العربي أمين معلوف وقبله قرأت كتاب «وعاظ السلاطين» للكاتب الدكتور علي الوردي.
أخيرا: هل يزعجك لقب «حسناء البرلمان» الذي أطلقته عليك الصحافة أم يسعدك؟
هو لا يزعجني ولكن لا يخدمني، أود أن أقول في هذا المقام، إن الجمال هو جمال النفس والروح وجمال ما أقدمه لوطني ولمن انتخبني من أبنائه كما إن الجمال معادلة نسبية قد يجدك احدهم جميلا وغيره لا. علي كل حال كان لي شرف حمل هذا اللقب لأول مرة في تاريخ برلمان الجزائر، إلى أن يسلم لغيري.