البعد الأمني في علاقة واشنطن وأوروبا

يبدو أن العلاقات الأمريكية - الأوروبية تتجه إلى مزيد من التباعد والفجوات في المستقبل القريب، خصوصاً فيما يتصل بأمن القارة العجوز والدفاع عنها، فليس جديداً أن السياسات الأوروبية الداخلية والخارجية مختلفة كثيراً عن سياسات الولايات المتحدة الأمريكية تجاه القضايا والمشكلات العالمية والإقليمية في مختلف مناطق العالم، وهذا واضح في اختلاف الموقف بين الجانبين حول قضايا الشرق الأوسط والصين وأفريقيا وغيرها من الملفات.

لكن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وطوال العقود الماضية، كان الأمن الأوروبي الرابط الأقوى بين واشنطن وأوروبا الغربية، ولم تكن أدوار أو نسبة تحمل كل منهما محل خلاف أو نقاش بين الجانبين، لكن ظهور الرئيس دونالد ترامب على خريطة السياسة الأمريكية غيّر هذه المعادلة المستقرة منذ زمن طويل، وبعد أن مرت فترته الرئاسية الأولى 2016 - 2020 ولم يتمكن من فرض رؤيته بتحميل أوروبا مسؤولية أمنها، فهو يعود حالياً إلى البيت الأبيض ويضغط بقوة في ذلك الاتجاه.

وقد بدأت ضغوط ترامب تأتي بنتائج عملية، حيث أعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، الثلاثاء الماضي، أن حكومته سترفع ميزانية الدفاع 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2027، مقابل 2 % حالياً، بينما دعا وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، إلى رفع الإنفاق العسكري إلى 3% على الأقل، معتبراً أن روسيا في حالة حرب مع الغرب.

وفي لقاء جمع بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب، والفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين الماضي، بدا واضحاً عمق الخلاف في المواقف والرؤى، إلى حد أن ماكرون قاطع ترامب، وأبدى اعتراضاً على بيانات ذكرها ترامب بشأن المساعدات الموجهة إلى أوكرانيا.

لكن مشكلة حجم وجدوى ومسؤولية المساعدات لأوكرانيا ليست وليدة وصول ترامب إلى البيت الأبيض مجدداً، بل هي قائمة ومطروحة للنقاش أوروبياً منذ أكثر من عام، وبالتدقيق في المواقف الأوروبية تجاه الحرب وحقيقة الدور الأوروبي في دعم أوكرانيا، يتضح أن الأمور ليست كما تبدو في الظاهر تماماً، ذلك أن أوروبا لم تكن المحرضة على تفجير الموقف بين كييف وموسكو، وفي بدايات الحرب لم تكن كل العواصم الأوروبية تؤيد دعم أوكرانيا، خاصة بعد أن واجهت أوروبا أزمة طاقة حادة بسبب وقف ضخ الغاز الأوروبي إليها، وخرجت تصريحات واضحة بأن الحرب نشبت بسبب التحريض الأمريكي، واستدراج روسيا إلى التدخل العسكري في أوكرانيا.

ولعل هذا يفسر، ولو جزئياً، تبادُل الأوروبيين اتهامات بالتلاعب في بيانات وأرقام المساعدات العسكرية المقدمة إلى أوكرانيا، فالحكومة الدنماركية على سبيل المثال متهمة بأنها تخلط في حساباتها بين ميزانية الدفاع الخاصة بها، والمساعدات التي تقدمها لأوكرانيا.

هذه المسائل تكشف أن أوروبا غاضبة من موقف ترامب وتخليه عن الأمن الأوروبي، لكنها ليست ضعيفة ولا عاجزة عن الاضطلاع بمهام توفير ذلك الأمن لنفسها، بدليل اتجاهها بالفعل إلى زيادة موازناتها الدفاعية، ورصد زيادات تدريجية متوقعة للأعوام المقبلة، بل والحديث المتزايد حالياً حول ضرورة تشكيل قوة أوروبية تقدر بـ100 ألف جندي لتولي مهام دفاعية وخوض أية مواجهات عسكرية محتملة، أو ما بات يُطلق عليه «الناتو» الأوروبي.

فكل ما في الأمر أن أوروبا كانت تعول على المخاوف الأمنية الأمريكية التي كانت تدفعها إلى تحمل النصيب الأكبر من حماية أوروبا.

ولعل الأوروبيين تباطؤوا في الانتقال إلى تولي أمنهم بأنفسهم، أملاً في عودة السياسة الأمريكية إلى سابق عهدها، بعد خروج ترامب من البيت الأبيض.

قد تنتهي الفترة الرئاسية الثانية والأخيرة لدونالد ترامب، والبوصلة الأوروبية تجاه أمنها لا تزال غير واضحة، لكن لا ضمانة بأن ترامب لن يتكرر أو يخلفه رئيس مشابه له في يمينيته وحساباته البراغماتية، فالمجتمع الأمريكي الذي أفرز ترامب وأعاد انتخابه بالتصويت الشعبي وليس المجمع الانتخابي وحده، الذي خرج منه آلاف لاقتحام الكونغرس وإلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية السابقة، ربما يخرج للعالم ترامب آخر، وربما أكثر منه تطرفاً وبراغماتية.