الإعلام كقوة دبلوماسية

أحد الاستنتاجات المهمة التي يمكن أن يخرج بها المراقب من اللقاء الصاخب الذي تم في البيت الأبيض في الأول من مارس الحالي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هو:

تأكيد أن الإعلام ليس وسيلة لنقل الأخبار فقط؛ وهي الوظيفة التي يُعتقد أنها التي ينبغي أن يقوم بها من يعمل في هذا المجال؛ وإنما الإعلام «أداة» في عالم السياسة. وكحال الاقتصاد، بإمكان الإعلام أن يمارس ضغطاً دبلوماسياً على قرارات أي دولة إذا ما أُحسن توظيفه.

عشنا تجارب بعضها ما زالت حيّة في أن الإعلام قوة للتأثير في تشكيل الرأي العام العالمي، وربما أقرب تلك التجارب أو الأمثلة ما فعلته القضية الفلسطينية بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023.

حيث رأينا كيف تفاعل الرأي العام العالمي مع شعب غزة وأجبروا حكومات بلدانهم على اتخاذ مواقف ضد الحكومة الإسرائيلية.

وعشنا كذلك تجارب أخرى حول تأثير الإعلام على علاقات الدول، سواءً من حيث تنمية تلك العلاقات وتطويرها أو من حيث التأثير السلبي عليها وتشويشها، بل رأينا كيف يُعيد الإعلام «صناعة الصورة» لشخصيات ويحسن منها ويقدمها في المجال العام كنموذج، سواءً سياسياً أو فنياً أو في أي من المجالات التي تحظى باهتمام الرأي العام.

الجديد، هو استخدام الإعلام لإحراج رئيس دولة أمام الرأي العام العالمي، وتحويل الإعلام إلى أداة «ضغط دبلوماسي علني» لإجبار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على تقديم تنازلات سياسية، على أساس أن هذا الأسلوب يجري في الغرف المغلقة، وهو الأمر الذي يبرز الدور المستقبلي للإعلام في السياسة الدولية والعلاقات الدبلوماسية.

ما جرى بين الرئيس ترامب وفريق إدارته ضد الرئيس زيلينسكي يشكل سابقة دبلوماسية وإعلامية. وبالتالي علينا ألا نختزل دلالاتها في كونه نموذج تطبيقي مثالي للتدريس لطلبة كليات الإعلام، وإنما علينا إدراك بأن الإعلام في المرحلة القادمة من التعامل الدولي، سيكون حاضراً بقوة وخصوصاً الإعلام (التقليدي).

كان الإعلام دائماً، وما يزال، هو السلطة الرابعة بجانب السلطات الثلاث للدولة (التشريعية، والتنفيذية، والقضائية). كما يعد الإعلام سلاحاً في الحروب من خلال نقل المعلومة وتصحيحها، ومنذ تسعينيات القرن الماضي إلى يومنا هذا، حُسمت أغلب الصراعات السياسية، إعلامياً، خاصة الحروب التي كانت ضد التنظيمات الإرهابية.

حيث قام الإعلام الوطني والعربي بتفنيد أهداف وأفكار تلك التنظيمات وكشفها على حقيقتها، حيث نجح في تنوير الرأي العام، وفقدت «الحاضنة الشعبية» لها.

ولهذا كله معنيان اثنان هما:

المعنى الأول: أن الإعلام لم يعد وسيط أو مجرد ناقل للخبر، بقدر ما هو أداة متكاملة الأركان في تفعيل الدبلوماسية الوطنية لأي دولة في العالم، ووسيلة ضغط دولة على أخرى وقادتها.

المعنى الثاني: أن الإعلام ليس كياناً محايداً حتى لو ادعى القائمون عليه ذلك، فالإعلام منذ الحرب العالمية الثانية هو جزء من اللعبة السياسية حيث استخدمه جوزيف غوبلز وزير الإعلام في نظام هتلر للدعاية والترويج لأفكار النظام.

الإعلام بات قوة سياسية وعسكرية واقتصادية، وأصبح محتواه أداة أو «رصاصة» لديها قدرة تأثير وفق الأجندات والأهداف الوطنية لها، لذلك على الدول الاهتمام بالإعلام الحقيقي القادر على تعزيز القوة الاستراتيجية للدولة في الأوقات العادية وفي الأزمات.

وهو الإعلام الذي يشكل «جبهة وطنية» وحائط صد أمام الضغوط والتحديات والمشروعات الخارجية التي تستهدف الدول.

وهو بهذا الدور يجسد بعداً آخر لدبلوماسية الإعلام، وهو البعد الداخلي الذي يتولى فيه الإعلام تحصين الجبهة الداخلية وتقويتها وتوعيتها بما يهددها من تحديات ومؤامرات ربما يكون مصدرها الخارج لكن هدفها وأحياناً أدواتها تكون في الداخل.