Al Bayan
today-time06 شوال 1446 هـ ، 4 أبريل 2025 م
prayer-time

محمّد بن راشد .. عطاءٌ بلا أضواء

الحديث عن واحدةٍ من مناقب صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، هو حديثٌ عن غيضٍ من فيض، وقليلٍ من كثير، وحين نتأمّل سيرته الخاصّة والعامّة في التعامل مع الإنسان، نجد أنفسنا أمام شخصيّةٍ استثنائية، فهذا الفارس الشجاع الذي شغل منصب أوّل وزيرِ دفاعٍ في دولة الإمارات، والذي طار ذكره بين الأمم في نطاق فروسيّة الخيل، وأنجز خلال مسيرته السياسيّة ما جعل منه قائداً استثنائيّاً بكلّ المقاييس، هو نفسه القائد الذي يمتلئُ قلبه بالرحمة والطيبة والرأفة تجاه أيّة معاناةٍ إنسانيّة، أينما كان موقعها على ظهر هذا الكوكب، وكثيرةٌ جدّاً هي المواقف الّتي تؤكِّدُ الأصالة الأخلاقيّة لصاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد، والتي هي في جوهرها جزءٌ أصيلٌ من شخصيته، التي تشكّلت برعايةٍ مباشرةٍ من أبوين كريمين، غرسا في قلبه ووجدانه شجرة العطاء، وطلبا منه أن يسمح لها بالنموّ حتى تعانق عنان السماء، فما خيّب لهما ظنّاً، وكان فوق المأمول، حتى أصبح إنساناً وقائداً مرموقاً بعين الإعجاب والتقدير بين جميع الأمم والشعوب، بسبب هذا العطاء النادر، الذي يتمّ في معظم الأحيان بعيداً عن الأضواء.

قبل أربعين عاماً، وتحديداً في عام 1985 م، وفي قلب لندن، خرجت صرخة إنسانية عالية خلاصتها (أعطونا مالاً، فهناك أناس يموتون من الجوع)، وكانت الحملة قد قامت بها بعض الجهات لاستنقاذ الإنسانية المعذّبة في إثيوبيا، حيث طحنت رحى المجاعة البطون الخاوية، وتجمّع أكبرُ تجمُّعٍ خيريّ في التاريخ في بثٍّ تلفزيوني مباشر، من أجل جمع أكبر قدرٍ ممكن من المال، لتقديمه للبطون الجائعة، لكنّ الأمل أوشك على الدخول في لحظة الخيبة، فقد كانت التبرّعات قليلة جدّاً، لم تصل إلى عشرة آلاف جنيه إسترليني، على الرغم من حجم الدعاية الضخمة التي بذلها الفريق المنظِّم للحملة الخيرية، وحين بدأت مشاعر اليأس تتسلّل إلى النفوس، جاءت بارقةُ الأمل من دبيّ، حيث أمر فارسها بتقديم دعمٍ ضخمٍ، تمثّل في مليون جنيه إسترليني، لم يُصدِّقِ القائمون على الحملة مضمونها إلا بعد ساعةٍ، من فرط الدهشة، وكان هذا التبرُّع، هو الشرارة الّتي أطلقت الروح الإنسانية من عقالها، وأشعلت روح الحماسة للعطاء، وانهالت التبرُّعات من كلّ حدبٍ وصوب، ووصل المبلغ الذي تمّ جمعه أكثر من مئة وخمسين مليون جنيه إسترليني، لتكون دبيّ، من خلال فارسها الذي ينتمي إلى واحدةٍ من أكرمِ القبائل العربيّة، هي النموذج الملهم للإنسانيّة في واحدةٍ من أصعب الاختبارات للضمير الإنسانيّ، الذي وقف عاجزاً أمام صراخ الجياع، لكنّ هذا الفارس المعطاء، قلب موازين الموقف، وجعل من تلك اللحظات لحظات فرحٍ وسعادةٍ وإنقاذٍ لملايين الأرواح المُعذّبة.

وعلى الرغم من ضخامة هذا الحدث التاريخي، وتأثيره في الروح الإنسانيّة، إلا أنّه ظَلَّ طيّ الكتمان، بطلبٍ من صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد، الذي يعرف أنّ العطاء هو جزءٌ من الواجب الأخلاقي للإنسان، ولولا أنّ بعض الصحف البريطانية أفرجت عن هذا السرّ، لظلّ في الخفاء إلى الأبد، لأنّ من تعاليم ديننا أنّ صدقة السرّ خيرٌ من صدقة العلانية، فطوبى لصاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد، بهذه المنقبة الكريمة، التي هي كالمسك الذي يفوح رغماً عن صاحبه، ولقد قال أهلُ الإخلاص: لو أنّ رجلاً عمل عملاً صالحاً في جُحرٍ، لأظهره الله تعالى بفضله وكرمه، ولو عمل سوءاً في جُحْرٍ أيضاً، وكان مستهتراً بنظر الله إليه، لفاحت رائحة الخطيئة من ثيابه وهو لا يشعر.

في واحدةٍ من أروعِ القصص التي كتبها صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد، في سيرته الذاتية (قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً)، هناك قصة بعنوان «البحث عن الإنسان»، أخذت الرقم (49) بين قصص الكتاب، وهي قصةٌ تنتمي في جوهرها إلى موضوع هذه المقالة، حيث زار صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد أفريقيا، وزار فيها مدرسة كبيرة متعدّدة المرافق، كان قد أمر بإنشائها قبل ذلك لتعليم الطلاب، باعتبار التعليم في نظر سموه هو السلاحُ الأقوى لمواجهة الحياة، وتأهيل الإنسان، ولكنّه فوجئ بقلّة عدد الطلاب، مقارنة بحجم المدرسة، وحين سأل عن سبب ذلك، كانت الإجابة: إنّ الطلبة لا يحضرون إلى المدرسة بسبب الجوع، وإنّهم يبحثون في الحقول عن لقمة العيش، بدلاً من المجيء إلى المدرسة، فشعر صاحب السموّ بالذهول، على حدّ تعبيره، فأمر فوراً بتجهيز مطبخٍ ضخمٍ في المدرسة بكامل معدّاته، مع توفير طاقمٍ كاملٍ لخدمة الطلاب، ليعود في العام التالي، فيجد المدرسة مكتظّة بالطلاب، وفق مناوبات صباحيّة ومسائيّة، فشعر بالسعادة والغبطة، وعلّق على هذا الشعور قائلاً: «نعم شعرت بالسعادة: العطاء راحة وسعادة وطمأنينة، نحن أحوجُ للعطاء من المحتاج، تُعطي فيعطيك ربك، تتواضع فيرفعك، ترحم الناس فيحبك ويسعدك».

هذا هو محمّد بن راشد، فخر الإنسانية، وضميرها النابض بالحب والعطاء.