منذ أن أصبحت الصحافة «لسان حال» المجتمع، ووسيلة أساسية لنقل الخبر وإبلاغ الرأي، ارتبطت بالكتاب والمفكرين، أو ارتبطوا بها، ومن هؤلاء الدكتور محمد عابد الجابري، الذي عرفه الكثيرون باعتباره أحد أشهر المفكرين العرب في العصر الحديث ومن أغزرهم إنتاجا في مختلف القضايا والمجالات الفكرية، عبر سلسلة طويلة من المؤلفات، بدأها عام 1971 بأطروحته حول «العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي».

واستكملها بمؤلفاته الرائدة والذائعة الصيت حول العقل العربي: تكوين العقل العربي 1984، بنية العقل العربي 1986، إشكاليات الفكر العربي المعاصر 1988، العقل السياسي العربي 1990، وغيرها الكثير من الكتب والدراسات الفكرية والفلسفية.

لكن الجانب الذي لم يشتهر عنه مثل شهرته الفكرية والفلسفية، هو امتهانه للعمل الصحفي منذ بداية شبابه، في صيف عام 1957، ولم ينقطع عنه منذئذ، من خلال المارسة اليومية أو عبر كتابة المقالات اليومية والأسبوعية في العديد من الصحف العربية.

ولد الجابري في ديسمبر عام 1935، في منطقة «فجيج» التابعة لولاية وجدة، والواقعة في أقصى الشرق المغربي على الحدود الجزائرية.

انخرط في النشاط السياسي مبكرا ضد الاستعماري الفرنسي، واعتقل مرات عديدة، قبل الاستقلال وبعده، على خلفية نشاطه السياسي.

حصل على دكتوراه الدولة عام 1970، وكانت أولى دكتوراه دولة في المغرب في مادة الفلسفة.

بدأ مسيرته الصحفية في صحيفة «العلم» المغربية، ثم تركها للدراسة ليقضي سنته الجامعية الأولى في دمشق، ثم عاد إلى «العلم» من جديد صيف 1958، وفي إبريل 1959 التحق بصحيفة «التحرير» فور تأسيسها، كسكرتير تحرير متطوع. وفي الوقت نفسه واصل مهمته كمشرف على معهد ليرميتاج.

وحين توقف عن العمل في المعهد تفرغ للعمل الصحفي، إلى أن قرر العودة للتعليم ومتابعة دراساته العليا في صيف 1962، حيث طلب إعفاءه من الارتباط بالصحيفة كموظف مداوم يتقاضى أجرا، دون أن يتخلى عن التزامه بمواصلة مهمته فيها كما كانت.

وفي مارس 1964 ساهم في إصدار مجلة «أقلام»، وعندما صدرت صحيفة «المحرر» في يونيو 1964، كان مشاركا فيها بوظيفة سكرتير التحرير، وظل منتظما في «التحرير» كمتطوع، مع احتفاظه بوظيفته في التعليم. وكان له ركن ثابت في الصحيفتين، بعنوان «صباح النور» في «التحرير» بينما حمل في «المحرر» عنوان «بصراحة»، و ظل مواظبا على هذا الأخير ابتداء من 17 يوليو 1965 إلى إبريل 1981.

وبعد ذلك انصرف «انصرافا شبه كلي» إلى العمل الثقافي، بينما استمر في ممارسة التدريس الجامعي، إلى أن تقاعد عن العمل الوظيفي في أكتوبر 2002، بعد أن أمضى في سلك التعليم الرسمي خمسة وأربعين سنة خدمة، ابتداء من أكتوبر 1957.

اشتغل أستاذا للفلسفة والفكر الإسلامي في كلية الآداب، جامعة محمد الخامس في الرباط، من عام 1967 وحتى عام 2002.

ونال العديد من الجوائز التكريمية، آخرها «ميدالية ابن سينا» من اليونسكو، بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة في 16 نوفمبر .

عبد الله إسحاق