إعمار.. قصة تليق بفلسفة «دبي الأفعال»

أعلن سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، منح «جائزة دبي الأفعال Dubai-it» عن فئة المؤسسات في المجال العقاري لشركة «إعمار»، مختصراً سموّه مسيرتها في عبارة واحدة: «عندما تعلن عن مشاريعها، يثق العالم بجودتها وخدماتها وسرعة عملها». مضيفاً أن الشركة رسّخت فلسفة دبي في العمل، «من تطوير المشاريع وتسليمها ومتابعتها إلى جودة خدماتها.. وبنت سمعة تليق بدبي».

العبارة تلخص ما يقارب ثلاثة عقود، تحولت خلالها «إعمار» من مطور عقاري ناشئ إلى أحد أبرز صنّاع الملامح العمرانية لدبي، وأحد أكثر الأسماء ارتباطاً بصورتها في العالم. وهي مسيرة لم تخلُ من الاختبارات، بل كان أصعبها تحديداً هو ما كشف معدنها الحقيقي.

خلف هذه المسيرة يقف اسم ارتبط بـ«إعمار» منذ يومها الأول؛ محمد علي العبار، الذي أنهى دراسته في جامعة سياتل الأمريكية، متخصصاً في الإدارة المالية والأعمال، ثم منحته الجامعة نفسها لاحقاً درجة الدكتوراه الفخرية. وقبل دخوله عالم التطوير العقاري، كان المدير العام المؤسس لدائرة التنمية الاقتصادية في دبي، في مرحلة كانت الإمارة تضع فيها أسس انفتاحها الاقتصادي على العالم، فحمل إلى عالم الأعمال فهماً عميقاً لرؤية المدينة وطموحاتها.

وفي عام 1997، أسس العبار شركة «إعمار العقارية»، ثم أدرجها في سوق دبي المالي عام 2000، لتصبح أول شركة عقارية تتيح أسهمها للمستثمرين الأجانب. وقادها رئيساً لمجلس إدارتها حتى عام 2020، قبل أن يتولى منصب العضو المنتدب، الذي لا يزال يشغله إلى جانب صفته مؤسساً للشركة.

ومنذ بداياتها، لم تنظر «إعمار» إلى المشروع العقاري بوصفه مبنى أو مجمعاً سكنياً، وتعاملت معه بوصفه وجهة متكاملة تجمع السكن والعمل والتسوق والترفيه. وعلى هذه الفلسفة قامت مشاريعها الأولى، من «تلال الإمارات» إلى «دبي مارينا»، التي أُطلقت عام 2003 حول شبكة من القنوات المائية الاصطناعية، وتحولت إلى واحدة من أشهر الواجهات المائية الحضرية في العالم.

صناعة الأيقونات

كان المشروع الذي جعل اسم الشركة على كل لسان «وسط مدينة دبي»، الذي تحول إلى قلب نابض للإمارة؛ ففي هذا الحي، افتتحت «إعمار» أيقونة التسوق «دبي مول» في نوفمبر 2008، ليرسّخ مكانته واحداً من أكبر مراكز التسوق والترفيه في العالم، حتى بلغ عدد زواره 80 مليون زائر سنوياً منذ عام 2014. وإلى جواره صارت «نافورة دبي» مشهداً يقصده الزوار يومياً.

ثم جاء الإنجاز الأبرز "برج خليفة"، الذي تحول منذ افتتاحه في يناير 2010، بارتفاع يبلغ 828 متراً، إلى أطول مبنى في العالم، وإلى رمز لطموح دبي الذي لا يعرف حدوداً. وفي عام 2014، أضافت الشركة إلى البرج منصة المشاهدة «At the Top, Burj Khalifa SKY»، الأعلى في العالم حينها، على ارتفاع 555 متراً في الطابق 148. وبهذه الأيقونات، صنعت «إعمار» وجهات أصبحت، كما وصفها سموّ ولي عهد دبي، من الأكثر زيارة في العالم.

كيف جسدت Dubai-it؟

جسّدت إعمار فلسفة Dubai-it بجعل السرعة والجودة والاهتمام بأدق التفاصيل نهجاً مؤسسياً في تطوير مشاريع ووجهات أسهمت في تطوير دبي. وقد منحت الأرقام الواردة في البطاقة التعريفية المصاحبة للجائزة معنى ملموساً لهذه الثقة؛ فقد أطلقت «إعمار» 62 مشروعاً، وسلّمت أكثر من 12 ألف وحدة سكنية خلال عام واحد، فيما استقبل «دبي مول» 111 مليون زائر في عام واحد، واستقطبت احتفالات رأس السنة 2.8 مليون زائر خلال أسبوع، بينهم أكثر من 500 ألف في ليلة واحدة. وامتدت سرعة الإنجاز إلى تجديد «نافورة دبي» خلال خمسة أشهر فقط، لتجمع تجربة الشركة بين إطلاق المشاريع وتسليمها، والعناية بالوجهات القائمة وتطوير تجربة زوارها، في ترجمة عملية لفلسفة «Dubai-it» القائمة على السرعة والجودة والمصداقية في الإنجاز.

اختبار الأزمة

الطريق إلى هذه الأيقونات لم يكن معبّداً، فقد جاءت ذروة المشاريع الكبرى متزامنة مع واحدة من أقسى الأزمات التي شهدها الاقتصاد العالمي. ففي خريف 2008، ضربت الأزمة المالية العالمية الأسواق، وامتدت آثارها سريعاً إلى القطاع العقاري في دبي، الذي عاش سنوات من النمو المتسارع. وكانت «إعمار»، بوصفها أكبر مطور عقاري مدرج في المنطقة، في قلب العاصفة.

لكن طريقة تعامل الشركة مع الأزمة كانت درساً عميقاً لحسن الإدارة، فقد قررت «إعمار» تجميد المشاريع التي لم تبدأ أعمال بنائها بعد، للمساهمة في الحد من فائض المعروض العقاري في دبي، والتركيز في المقابل على استكمال جميع المشاريع التي بدأ تنفيذها. وكان ذلك رهاناً على أن الثقة تُبنى بالتسليم، لا بالإعلان. وبحثت الشركة في منتصف 2009 خيار الاندماج مع وحدات عقارية تابعة لـ«دبي القابضة»، قال رئيس مجلس إدارتها محمد العبار حينها إنه سيعزز قوتها المالية وحجمها.

ووسط هذه الظروف، أوفت «إعمار» بأكبر وعودها. فقد افتتحت «دبي مول» في نوفمبر 2008، مع بدايات الأزمة تحديداً، ليحقق عوائد قوية منذ افتتاحه، مدعوماً بالطلب على مساحات التجزئة عالية الجودة. ثم جاء افتتاح برج خليفة في يناير 2010، في خضم تداعيات الأزمة، حاملاً اسم المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان. وقال العبار يومها إن الرسالة بسيطة: «نحن نبني لعشرات السنين المقبلة». وتحول البرج، الذي قُدّرت كلفته بنحو 1.5 مليار دولار، إلى رسالة ثقة في دبي ومستقبلها، في اللحظة التي كان العالم يتساءل فيها عن هذا المستقبل.

وسرعان ما بدأت ثمار هذا النهج تظهر. ففي عام 2009 نفسه، نمت إيرادات التأجير بصورة كبيرة بفضل دخول «دبي مول» و«مارينا مول» حيز التشغيل، وقفزت إيرادات الربع الأخير من العام بنسبة 94% مقارنة بالربع ذاته من 2008. وحين طرحت الشركة «إعمار مولز» للاكتتاب العام في أكتوبر 2014، كان الطرح من أكبر الطروحات في المنطقة منذ الأزمة المالية، في إشارة إلى أن الشركة لم تعبر الأزمة فحسب، وخرجت منها بنموذج أكثر تنوعاً وصلابة، يجمع التطوير العقاري إلى الأعمال التي تولد إيرادات مستمرة.