قد يجلس مسافران جنباً إلى جنب على متن الطائرة نفسها، وفي الدرجة الاقتصادية ذاتها، ويحصلان على الخدمات والمساحة نفسيهما، لكن أحدهما دفع ثمن تذكرته أضعاف ما دفعه الآخر، هذا التفاوت ليس بالضرورة خطأ في نظام الحجز، بل نتيجة منظومة تسعير معقدة تستخدمها شركات الطيران لتحديد قيمة كل مقعد وفقاً للطلب وتوقيت الحجز والظروف السوقية.
وتعتمد شركات الطيران على أنظمة متطورة تعرف باسم "إدارة العائدات" (Yield Management)، تهدف إلى بيع كل مقعد بأعلى سعر ممكن، مع ضمان عدم إقلاع الطائرة بمقاعد شاغرة.
وتكتسب هذه الأنظمة أهميتها من طبيعة المنتج نفسه، فمقعد الطائرة لا يمكن تخزينه أو بيعه بعد إقلاع الرحلة، وإذا غادر دون راكب فقدت الشركة فرصة تحقيق إيراد منه.
تذكرة واحدة.. وأسعار متعددة
لا تبيع شركات الطيران المقاعد بأسعار موحدة، وإنما تطرح منتجات سعرية مختلفة، رغم أنها قد تمنح المسافر المقعد نفسه والخدمات ذاتها.
فالتذكرة منخفضة السعر غالباً ما تتطلب الحجز المبكر، وتفرض قيوداً على الإلغاء أو تعديل موعد السفر، بينما تتيح التذكرة الأعلى سعراً مرونة أكبر في تغيير الرحلة أو استرداد قيمتها.
وتستهدف هذه السياسة شرائح مختلفة من العملاء، فالسائح الذي يخطط لإجازته قبل أشهر يستطيع الاستفادة من الأسعار المخفضة، بينما يدفع مسافر الأعمال، الذي قد يضطر إلى الحجز قبل أيام قليلة أو تغيير موعد سفره، سعراً أعلى مقابل المرونة.
وتُصنف هذه التذاكر ضمن ما يعرف بـ"فئات الحجز" (Booking Classes)، التي تستخدم رموزاً حرفية مثل Y وB وM وQ، لتحديد مستوى السعر والشروط المرتبطة به، وقد يصل عدد هذه الفئات تقليدياً إلى 26 فئة على الرحلة الواحدة.
لماذا ترتفع الأسعار فجأة؟
تستخدم شركات الطيران نظام "شرائح الأسعار" (Fare Buckets)، الذي يحدد عدد المقاعد المتاحة للبيع عند كل مستوى سعري.
وتحلل أنظمة إدارة العائدات حجم الطلب المتوقع، وتقدّر عدد المسافرين الذين قد يحجزون بأسعار منخفضة أو مرتفعة، مع الاحتفاظ بجزء من المقاعد للمسافرين الذين يُتوقع أن يحجزوا في اللحظات الأخيرة بأسعار أعلى.
وعندما يرتفع الطلب أو يقترب موعد الرحلة، تُغلق الشركة تدريجياً شرائح الأسعار الأرخص، لتصبح الفئة الأعلى سعراً هي المتاحة.
وهذا يفسر اختلاف سعر الرحلة نفسها عند البحث عنها في يومين متتاليين، فقد لا تكون الشركة رفعت سعر التذكرة، وإنما نفدت المقاعد المخصصة للشريحة الأرخص، وفي المقابل، يمكن إعادة فتح بعض الشرائح منخفضة السعر إذا تراجع الطلب.
الحجز الزائد.. تذاكر أكثر من المقاعد
من الآليات الأخرى التي تستخدمها شركات الطيران "الحجز الزائد" (Overbooking)، أي بيع تذاكر يتجاوز عددها أحياناً السعة الفعلية للطائرة.
وتعتمد الشركات على توقعات تشير إلى أن بعض المسافرين لن يحضروا إلى المطار رغم امتلاكهم حجوزات مؤكدة، فتبيع مقاعد إضافية لتعويض الغياب وضمان ارتفاع معدل إشغال الرحلة.
لكن المشكلة تظهر عندما يحضر جميع المسافرين، فتجد الشركة نفسها أمام عدد ركاب أكبر من المقاعد المتاحة.
وعندها تطلب عادةً من بعض الركاب التطوع للتنازل عن مقاعدهم مقابل تعويضات أو مزايا، وإذا لم يتقدم متطوعون، قد تمنع بعض المسافرين من الصعود وفق القواعد القانونية.
وفي الولايات المتحدة، قد تصل التعويضات في حالات منع الصعود غير الطوعي إلى 400% من قيمة التذكرة ذات الاتجاه الواحد، بحد أقصى 2150 دولاراً، وفقاً لمدة التأخير، أما في الاتحاد الأوروبي، فتتراوح التعويضات بين 250 و600 يورو بحسب مسافة الرحلة، وفق اللائحة رقم 261/2004.
كيف بدأت ثورة التسعير؟
تعود جذور أنظمة التسعير الحديثة إلى تحرير قطاع الطيران الأمريكي من القيود التنظيمية عام 1978، عندما اشتدت المنافسة وأصبح بإمكان الشركات تحديد أسعارها بحرية أكبر.
وكانت شركة "بيبول إكسبريس" (People Express)، التي بدأت عملياتها عام 1981، من أبرز المنافسين، إذ قدمت رحلات إلى لندن عام 1983 مقابل 149 دولاراً للاتجاه الواحد.
وأمام هذه المنافسة، اختارت "أمريكان إيرلاينز" استراتيجية مختلفة عن خفض الأسعار للجميع، تقوم على تقديم تذاكر مخفضة لفئات محددة من المسافرين.
وفي 17 يناير 1985، أطلقت الشركة برنامج "ألتيميت سوبر سيفر" (Ultimate Super Saver)، الذي وفر أسعاراً منخفضة لمن يحجزون مبكراً ويقبلون بقيود صارمة على الإلغاء والتعديل.
واعتمد البرنامج على أنظمة حاسوبية تتوقع عدد المقاعد التي قد تغادر دون بيع، فتطرح بعضها بأسعار منخفضة، مع الاحتفاظ بالبقية للمسافرين المستعدين لدفع مبالغ أكبر.
وساعدت هذه الاستراتيجية "أمريكان إيرلاينز" على منافسة الأسعار المنخفضة دون التضحية بعائداتها من المسافرين الذين يحجزون متأخراً.
وفي المقابل، واجهت "بيبول إكسبريس" صعوبات مالية، وأشار مؤسسها دونالد بور إلى أن التخفيضات التي قدمتها "أمريكان إيرلاينز" كانت أحد العوامل التي أثرت في أعمالها، إلى جانب مشكلات أخرى، بينها التوسع السريع.
وبعد بيعها عام 1986، اختفت الشركة ككيان مستقل في فبراير 1987 إثر دمجها في "كونتيننتال إيرلاينز".
أما "أمريكان إيرلاينز"، فواصلت تطوير نظامها المعروف باسم DINAMO، الذي دخل التشغيل الكامل عام 1988. وقدرت دراسة أكاديمية نشرتها مجلة Interfaces عام 1992 أن نظام إدارة العائدات حقق للشركة فوائد بلغت 1.4 مليار دولار خلال ثلاث سنوات.
الذكاء الاصطناعي.. هل يصبح لكل مسافر سعر مختلف؟
مع تطور التكنولوجيا، بدأت شركات الطيران الانتقال من شرائح الأسعار التقليدية إلى ما يعرف بـ"التسعير المستمر" (Continuous Pricing)، الذي يسمح بتقديم مستويات سعرية أكثر تنوعاً بدلاً من الاقتصار على فئات محددة مسبقاً.
كما تسهم مبادرة "قدرة التوزيع الجديدة" (NDC)، التابعة للاتحاد الدولي للنقل الجوي، في تطوير طريقة إنشاء عروض السفر وتوزيعها على منصات بيع التذاكر.
لكن استخدام الذكاء الاصطناعي أثار تساؤلات حول إمكانية الاستفادة من البيانات الشخصية للمسافرين لتحديد أسعار مختلفة لكل شخص.
وفي عام 2025، واجهت شركة "دلتا إيرلاينز" تساؤلات من أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في التسعير، وسط مخاوف من تحديد الأسعار بناءً على بيانات الأفراد.
وأكدت الشركة أن أدواتها تعتمد على ظروف السوق والمنافسة، وليس على البيانات الشخصية لكل مسافر، مشيرة إلى عوامل مثل وجهة الرحلة وموعد الحجز ومدة الإقامة وشروط استرداد التذكرة.
وهنا يجب التمييز بين التسعير الديناميكي، الذي تتغير فيه الأسعار وفقاً للطلب والوقت، والتسعير الشخصي الذي قد يحدد سعراً مختلفاً لكل عميل بناءً على بياناته الفردية.
هل يؤدي تكرار البحث إلى ارتفاع السعر؟
من المعتقدات الشائعة بين المسافرين أن شركات الطيران تراقب عمليات البحث عن الرحلات، ثم ترفع الأسعار عندما يعود المستخدم إلى الموقع نفسه أكثر من مرة، وهو ما يدفع البعض إلى استخدام التصفح الخفي أو حذف ملفات تعريف الارتباط.
لكن تحقيقاً أجرته جهات رقابية فرنسية عام 2013، ونُشرت نتائجه الأولية في يناير 2014، لم يعثر على أدلة تثبت تغيير الأسعار بناءً على عنوان بروتوكول الإنترنت الخاص بالمستخدم.
وأشار التحقيق إلى عوامل أخرى تفسر التغيرات، مثل عدد المقاعد المتبقية وتاريخ شراء التذكرة ورسوم الحجز وموقع المقارنة الذي وصل العميل من خلاله إلى العرض.
وبالتالي، فإن ارتفاع السعر بين عمليتي بحث متتاليتين لا يعني بالضرورة أن الشركة تعاقب المسافر على تكرار البحث، بل قد يكون نتيجة نفاد المقاعد المخصصة للفئة الأرخص.
لماذا يدفع مسافران سعرين مختلفين؟
لا يعتمد سعر تذكرة الطيران على المقعد وحده، وإنما على مجموعة من العوامل، أبرزها توقيت الحجز، وحجم الطلب، وعدد المقاعد المتبقية، ودرجة مرونة التذكرة، ومدى اقتراب موعد الرحلة.
وتسمح هذه المنظومة لشركات الطيران ببيع بعض المقاعد بأسعار منخفضة لجذب المسافرين الذين يحجزون مبكراً، بينما تحقق إيرادات أعلى من العملاء الذين يحتاجون إلى مرونة أكبر أو يضطرون إلى الحجز في اللحظات الأخيرة.
وتكشف تجربة "أمريكان إيرلاينز" و"بيبول إكسبريس" أن المنافسة في قطاع الطيران لم تعد تقتصر على تقديم أرخص تذكرة، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشركة على تحديد السعر المناسب لكل مقعد وفي التوقيت المناسب.
ويمكن أن يتشارك مسافران المقعد نفسه والخدمات ذاتها، لكنهما يدفعان سعرين مختلفين تماماً، لأن ما تبيعه شركة الطيران ليس مجرد مقعد، بل فرصة للسفر بشروط وتوقيت ومرونة تختلف من مسافر إلى آخر.

