وارين بافيت.. «ابن السمسار» وعراب الاستثمار

منذ كان عمره 11 سنة لاحظ أبوه ميله إلى التجارة فشجعه على الاستثمار، وبعد تخرجه في الجامعة بدأ تأسيس شركة ساهم فيها بـ 100 دولار فقط، وخلال سنوات بلغت ثروته نحو 9 مليارات دولار، والآن هو بين قائمة أثرياء العالم بثروة مقدارها 155.3 مليار دولار، ولكنه في الوقت نفسه لا يتوانى عن المساهمة في الأعمال الخيرية، حتى أن «فوربس» أكدت أنه أكبر متبرع في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد بلغ مجموع تبرعاته خلال أقل من 20 سنة مضت 34 مليار دولار.

المستثمر الذكي

ولد وارين بافيت سنة 1930 في أوماها بولاية نبراسكا الأمريكية لعائلة اشتهرت بتجارة البقوليات، ولأب يعمل سمساراً في سوق الأسهم، وكان في الوقت نفسه عضواً في مجلس النواب عن الحزب الجمهوري، هو «هاوارد بافيت»، وأما أمه «ليلي ستال» فلم تكن تعمل. منذ بلغ الحادية عشرة من العمر، اتجه بافيت إلى عالم السمسرة؛ حيث اشترى أسهمه الأولى عن طريق البيت الذي كان أبوه يديره.

وفي سن الرابعة عشرة صار يحقق دخلاً شخصياً مقداره 175 دولاراً كل شهر من توزيع صحيفة «واشنطن بوست»، وعندما لاحظ أبوه عقليته التجارية المبكرة شجعه على شراء أرض زراعية في «نبراسكا» كان ثمنها 1200 دولار فقط.

لكنه اشترط عليه ألا يكون تفوقه في التعليم أقل منه في التجارة، فالتحق بافيت بكلية «وارتون» بجامعة بنسلفانيا، ومنها إلى جامعة نبراسكا، حيث حصل على درجة البكالوريوس في العلوم سنة 1950، لكن القدر وضع في طريقه كتاب «المستثمر الذكي» لبنيامين جراهام، الذي أخذ منه نصيحة لازمته فترة طويلة من حياته؛ وهي «لا تشترِ الأسهم التي سرعان ما تختفي واشترِ الأسهم التي تعرض بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية».

لم يكتف بافيت بقراءة هذا الكتاب الذي أصبح بالنسبة له بمثابة «الدستور»، بل أراد دراسة أكاديمية، فتقدم بطلب التحاق إلى كلية هارفارد للتجارة، لكن الطلب رفض، فلم ييأس، وتقدم بطلب آخر إلى كلية التجارة بجامعة كولومبيا، وقُبل طلبه وتخرج فيها سنة 1951. لكن الغريب أن أول خطوة له في طريق المال كانت مخالفة صريحة لنصيحة جراهام في كتابه، ونصيحة والده أيضاً، حيث ألقى بافيت بنفسه في المحيط العميق «وول ستريت»، وكانت النتيجة الخيبة والعودة إلى أوماها ليعمل سمساراً مع أبيه، ويدرّس مادة التجارة في الصفوف المسائية.

دمج الشركات

بعد ثلاث سنوات كان بافيت على موعد مع «قدوته» جراهام مرة أخرى، ولكن عبر وظيفة مساعد في إدارة «شركة غراهام المتضامنة للاستثمار» في نيويورك براتب 12.000 دولار سنوياً.

ولكنه لم يستمر فيها أكثر من سنتين؛ حيث تقاعد جراهام نفسه وصفّى الشركة، فعاد بافيت إلى أوماها وكل ما يملكه هو 100 دولار؛ ولكنه استطاع جمع مبلغ 105.000 دولار من أصدقائه وأفراد عائلته، جعله رأسمال لتأسيس شركة «أسوشيتس المحدودة»، التي أسس بعدها شركتين متضامنتين، وتم دمج الشركات الثلاث، وفي سنة 1962، أي بعد خمس سنوات فقط، أصبحت قيمة الشركة المتضامنة 7.2 ملايين دولار، وتجاوزت ثروته الشخصية مليون دولار، وبدأ شراء أسهم الشركات المتعثرة، ثم الاستثمار في قطاعات تجارية أخرى مثل التأمين، وفي سنة 1967 تجاوز صافي ثروته 10 ملايين دولار، فاشترى شركة «ناشونال إندمنتي للتأمين» مقابل 8.6 ملايين دولار.

المتبرع الأكبر

يشغل بافيت حالياً منصب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «بيركشير هاثاواي» وهو أحد أشهر الأثرياء في العالم، ويعد وارن بافيت ليس مجرد رجل أعمال ثري؛ فهو فاعل خير معروف عالمياً، حيث تعهد بالتخلي عن 99 % من ثروته بمنحها بشكل أساس إلى مؤسسة بيل ومليندا جيتس، كما أطلق حملة خيرية باسم «تعهد عطاء» في عام 2010 مع بيل جيتس، حيث تعهد المليارديرات حول العالم بالتخلي عن نصف ثرواتهم على الأقل لمصلحة الأعمال الخيرية.

وفي دراسة لمجلة «فوربس»، أجرتها بالتعاون مع مؤسسة «شوك ريسيرتش» للأبحاث، تبين أن بافيت هو أكبر متبرع في أمريكا خلال السنوات الخمس من 2014 إلى 2018؛ حيث تبرع بمبلغ 14.7 مليار دولار من ثروته للأعمال الخيرية، ذهب الجزء الأكبر منها لمبادرات اختارتها مؤسسة بيل وميليندا جيتس، أما إجمالي تبرعات بافيت منذ سنة 2006 فقد بلغ 34 مليار دولار.