حين شاهد محمد أحمد إبراهيم الشروق لأول مرة في الشارقة، لم يكن يدرك أن تلك اللحظة ستظل محفورة في ذاكرته، لتصبح ضوءاً خفياً يرافقه في رحلته الفنية.
لقد حمل المشهد في طياته معاني عميقة عن الزمن، والتغير، والهوية البصرية التي ستشكل لاحقاً جوهر أعماله. هذه العلاقة الوثيقة بينه وبين الشارقة تتجسد اليوم في معرضه «بين الشروق والغروب»، الذي تقدمه القيّمة الفنية سيما عزام، ليكون بمثابة تأمل بصري في تدرجات الضوء والظل.
وفي التحولات الطبيعية والوجدانية، التي تميز تجربته، فمن المدينة التي احتضنت أولى مراحله الإبداعية، عاد إليها بعد سنوات من التجربة والعرض في أهم المحافل الدولية، ليقدم رؤيته المتجددة في مركز مرايا، وفي تفاصيل أعماله التي تعكس ملامح الطبيعة الإماراتية تظل الشارقة نقطة انطلاق، وبوصلة تعيد توجيه فنه إلى جذوره الأصيلة.
«البيان» التقت الفنان محمد أحمد إبراهيم، الذي ينتمى إلى مجموعة «الخمسة» وهي مجموعة من الفنانين الإماراتيين، الذين ترتكز أعمالهم بشكل عميق على المفاهيمية.
حيث يركز الفنان في أعماله على إبراز التنوع الجغرافي والطبيعي والاجتماعي، الذي يميز الإمارات، خاصة في الفضاء الممتد بين الساحل الشرقي والساحل الغربي.
من خلال أعماله يسعى محمد أحمد إبراهيم إلى توضيح التنوع الثقافي والطبيعي في الدولة، وتسليط الضوء على التحولات الاجتماعية والبيئية، التي قد لا يدركها من هم خارج هذا المجتمع. فلكل منطقة طابعها الخاص، مما يعكس ثراء النسيج الثقافي للإمارات.
بينالي البندقية
تم تنسيق العمل التركيبي «بين الشروق والغروب» في الأصل من قبل المدير التنفيذي لرواق الفن بجامعة نيويورك أبوظبي ورئيسة القيمين الفنيين في الجامعة مايا أليسون، وتم تكليفه للمشاركة في الجناح الوطني لدولة الإمارات في بينالي البندقية للفنون 2022.
ويرى الفنان أن بينالي البندقية يمثل محطة عالمية بارزة في مسيرته، حيث أتاحت له الفرصة لتمثيل الفن الإماراتي على الساحة الدولية. ويصف تجربته في البندقية بأنها تحدٍ ومسؤولية كبيرة، إذ أصبح أحد الوجوه التي تعكس الهوية الفنية الإماراتية أمام العالم. ويتابع: «المشاركة في البينالي لم تكن مجرد عرض فني، بل كانت خطوة نحو ترسيخ الفن الإماراتي عالمياً.
شعرت بمسؤولية كبيرة في تقديم ثقافتنا بأسلوب بصري معاصر، وعبر هذه التجربة بدأ العالم يلتفت أكثر إلى المنتج البصري الإماراتي، كما أن العرض في البندقية كان له تأثير عميق، حيث أدى إلى زيادة الاهتمام بالفن الإماراتي في الأوساط الفنية العالمية، مما فتح آفاقاً جديدة على صعيد المعارض الدولية».
ويضيف: «العرض في الشارقة له بعد جديد للعمل، فانتقال الأعمال الفنية إلى مركز مرايا، حيث إن المكان ذو رمزية خاصة بالنسبة لي، فهذا العرض له روح مختلفة عن عرضه الأول.
حيث إن الشارقة كانت أول مكان شاهدت فيه الغروب قبل عشر سنوات، مما أضفى بعداً عاطفياً وشعورياً على العمل الفني، لم يكن الأمر مخططاً له، لكنه حدث بشكل عفوي وتدريجي، مما ساعد في تكوين العمل الفني بهذا الشكل في هذا المكان».
بين الحركة والسكون
ويوضح إبراهيم أن المشاركة في بينالي البندقية تركت أثراً مباشراً على نهجه الفني، فقد بدأ في استخدام الورق بلونه الطبيعي دون إضافة أي مواد لونية، وهي فكرة استمرت معه في أعماله اللاحقة. كما ساعده هذا النضج الفني على التركيز على إنتاج أعمال فردية تأخذ وقتها الخاص، مما أعطى لأعماله طابعاً متسلسلاً وتطورياً.
ويشير إبراهيم إلى أن أعماله تترك مساحة حرة للمشاعر والتفسير، مضيفاً: «لا أحاول أن أفرض قراءة معينة على المشاهد، بل أترك له حرية تفسير العمل بطريقته الخاصة.
البعض قد يرى المجسمات كأشجار، أو كأشخاص، أو كرموز تجريدية، وهذا جزء من رؤيتي الفنية». ويضيف أن مفهوم الحركة والسكون هو عنصر أساسي في أعماله، حيث يحاول المزج بين الجمود والديناميكية لإعطاء المشاهد إحساساً بالتفاعل مع العمل الفني.
ويردف: «في بداية مشواري الفني كنت أستخدم الألوان، التي تعبر عن الشروق والغروب، ومع الوقت بدأت أستخدم مواد طبيعية مثل الطين من الجبال، والرمال من الصحراء، والنباتات المحلية، وذلك لإبراز الألوان الطبيعية، التي تعكس جوهر البيئة الإماراتية، أما الأعمال التي تعتمد على اللونين الأبيض والأسود فهي تعبير عن التباين الضوئي والتجريد الفني.
حيث يركز على بساطة المشهد وتجريديته». ويؤكد الفنان أن المشهد الفني في الإمارات يشهد تطوراً مستمراً، خاصة مع ظهور جيل جديد من الفنانين، الذين يمتلكون وعياً كبيراً بأهمية هويتهم الفنية.