بين أحلام يصنعها الأطفال لأنفسهم، وأخرى يرسمها أولياء الأمور نيابة عنهم، ومهن تقليدية ما زالت تحتفظ ببريقها الاجتماعي، يواجه طلبة المدارس تحدياً مبكراً في تحديد مستقبلهم الأكاديمي والمهني، وسط تحولات متسارعة تعيد تشكيل سوق العمل، وتغيّر طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة لممارستها.
وفي وقت يتطلع فيه بعض الطلبة إلى ارتداء المعطف الأبيض أو خوذة المهندس، تبرز تساؤلات حول مدى توافق هذه الطموحات مع قدراتهم الحقيقية، وما إذا كانت المدارس تهيئهم لاختيار مهن المستقبل أم تكتفي بتعريفهم بوظائف قد تتغير طبيعتها قبل تخرجهم.
مرشدون أكاديميون وتربويون:
ضغوط الأسرة تدفع الطلبة إلى تخصصات لا تناسب قدراتهم
اختيار التخصص الجامعي يجب أن يراعي تحولات سوق العمل
خريجو 2030 يحتاجون إلى مهارات تتجاوز الشهادات الجامعية
الإعجاب بالمهنة لا يعني امتلاك مهاراتها
التجربة العملية تكشف الفارق بين الطموحات والقدرات
اختيار التخصص لإرضاء الأسرة أو الأصدقاء يكلف الطالب سنوات من الدراسة وأعباء مالية
92 مليون وظيفة ستختفي في العالم بحلول 2030
39 % التغيير في مهارات سوق العمل من 2025 إلى 2030
تكشف تقديرات تقرير «مستقبل الوظائف» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي حجم التحولات المرتقبة، إذ يتوقع استحداث 170 مليون وظيفة جديدة عالمياً بحلول عام 2030، مقابل إزاحة 92 مليون وظيفة، بصافي زيادة يبلغ 78 مليون وظيفة، فيما يتوقع أن تتغير 39 % من المهارات الأساسية المستخدمة في سوق العمل خلال الفترة من 2025 إلى 2030، وهي مؤشرات تضع المؤسسات التعليمية أمام مسؤولية إعداد جيل قادر على اكتساب مهارات جديدة والتكيف مع متطلبات مهنية متغيرة.
وحذّر مرشدون أكاديميون وتربويون من مخاطر «الأحلام المستعارة» التي قد تفرضها بعض الأسر، والانبهار بالمكانة الاجتماعية للمهن، والفجوة بين الطموحات والقدرات، مؤكدين ضرورة تطوير برامج الإرشاد الأكاديمي والمهني، وإشراك الأسر، وتمكين الطلبة من استكشاف قدراتهم، مع مراعاة التغيرات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الوظائف المستقبلية.
عوامل متعددة
وأكدت عهد أحمد درويش، مسؤولة الإرشاد الأكاديمي في الإدارة العامة للمدارس الأهلية الخيرية، أنّ اختيار التخصص الجامعي لا يرتبط دائماً بميول الطلبة وطموحاتهم الحقيقية، إذ تتدخل عوامل متعددة في تحديد مستقبلهم، أبرزها محدودية المقاعد الجامعية في بعض التخصصات، والظروف المادية للأسر، وتأثير أولياء الأمور والأصدقاء في القرارات المهنية، ما قد يدفع الطلبة إلى التخلي عن أحلامهم واختيار مسارات لا تتوافق مع قدراتهم.
وأوضحت أن بعض الطلبة يختارون تخصصاتهم إرضاءً لأسرهم أو تقليداً لأصدقائهم، دون دراسة كافية لطبيعة التخصص أو مدى توافقه مع إمكاناتهم، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع طموحاتهم وشعورهم بعدم الرضا، مشيرة إلى أن خطورة هذه الاختيارات قد تمتد إلى الحياة المهنية، عندما يجد الخريج نفسه يعمل في مجال لا يشعر بالانتماء إليه.
ولفتت إلى أن اكتشاف الطالب عدم ملاءمة التخصص بعد مرور عام أو عامين من الدراسة الجامعية يترتب عليه فقدان الوقت والجهد، فضلاً عن أعباء مالية إضافية تتحملها الأسرة نتيجة تغيير التخصص أو إعادة دراسة مقررات جديدة، مؤكدة أن هذه التحديات يمكن الحد منها من خلال التوجيه المبكر.
وأشارت إلى أن أسبوع المهن يمثل فرصة لتعريف الطلبة بالتخصصات المختلفة ومتطلبات الالتحاق بها، موضحة أن برامج الإرشاد تتضمن تطبيق اختبارات الميول المهنية، وتنظيم جلسات فردية وودية مع الطلبة، إلى جانب لقاءات مع أولياء الأمور، باعتبار أن قرار اختيار التخصص غالباً ما يبدأ داخل المنزل.
وشددت على أن دور المرشد الأكاديمي لا يقتصر على توجيه الطالب، بل يمتد إلى توعية الأسرة بأهمية احترام ميوله وقدراته، وعدم فرض اختيارات قد تؤثر في مستقبله الأكاديمي والمهني، مؤكدة أن نجاح التوجيه يبدأ عندما يصبح اختيار التخصص قراراً واعياً يستند إلى قدرات الطالب واهتماماته والفرص المتاحة أمامه.
وظائف متغيرة
من جانبه أكد أيمن عبدالحميد، مرشد أكاديمي ومهني، أن التحولات المتسارعة في سوق العمل تفرض إعادة النظر في طريقة إعداد الطلبة للمستقبل، مشيراً إلى أن الإرشاد المهني لم يعد يقتصر على تعريف الطلبة بأسماء الوظائف والتخصصات الجامعية، وإنما أصبح مطالباً بتوضيح المهارات التي يحتاجون إليها لمواكبة التغيرات التكنولوجية.
وأوضح أن الطالب الذي يدرس حالياً قد يلتحق بعد سنوات بمهنة تختلف أدواتها ومتطلباتها عن صورتها الحالية، فالطبيب سيعتمد بصورة أكبر على الأنظمة الذكية في تحليل المعلومات الطبية، والمهندس على تقنيات التصميم والمحاكاة المتقدمة، فيما سيستخدم المعلم أدوات رقمية لتطوير التعليم.
وأضاف أن الخطأ يتمثل في التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تخصصاً منفصلاً يناسب الراغبين في دراسة علوم الحاسوب فقط، بينما أصبح يتداخل مع مختلف القطاعات، من الطب والهندسة إلى التعليم والإعلام والخدمات اللوجستية.
وشدد على ضرورة تعريف الطلبة بطبيعة العمل الحالي وكيفية تغيّره مستقبلاً، وتشجيعهم على سؤال أصحاب المهن عن التحديات والمهارات المطلوبة، بدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن الرواتب أو سنوات الدراسة، مؤكداً أن التعلم المستمر والقدرة على تحليل المشكلات سيصبحان من أهم متطلبات النجاح المهني.
وأشار إلى أن المستقبل لن يكون بالضرورة للأفراد الذين يمتلكون أكبر قدر من المعلومات، وإنما لمن يستطيعون توظيف المعرفة وتحليل المشكلات والتعامل مع الأدوات الجديدة بصورة مسؤولة، وهو ما يستدعي دمج المهارات الرقمية والتفكير النقدي في مختلف الأنشطة التعليمية.
وهم المهنة
وأكدت شيماء محمد محمود آدم، مرشدة أكاديمية، أن بعض الطلبة يختارون أحلامهم المهنية بناءً على الصورة الخارجية للمهنة، دون معرفة طبيعة العمل الفعلية أو المهارات اللازمة لممارسته، مشيرة إلى أن الأنشطة المدرسية التي تتيح ارتداء الزي المهني وسيلة جذابة للتعريف بالوظائف، لكنها لا تكفي وحدها لاكتشاف الميول والاستعدادات.
وأوضحت أن الطالبة التي ترتدي المعطف الأبيض وتحمل السماعة الطبية قد تعلن رغبتها في أن تصبح طبيبة، دون إدراك طبيعة الدراسة الطويلة والمسؤوليات المرتبطة بالمهنة، كما قد ينجذب الطالب إلى مظهر المهندس دون معرفة التحديات التي يواجهها في مواقع العمل.
وأضافت أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تشكيل صور جذابة عن بعض المهن، من خلال التركيز على الشهرة والمردود المالي، بينما تغيب تفاصيل العمل اليومية ومتطلباته، ما يجعل بعض الطلبة يبنون اختياراتهم على انطباعات غير مكتملة.
وأكدت أن الإرشاد المهني الحقيقي يبدأ عندما ينتقل الطالب من مشاهدة المهنة إلى تجربة مهامها بصورة مبسطة، من خلال أنشطة تحاكي مواقف واقعية، مثل حل مشكلة هندسية أو اتخاذ قرار في موقف صحي افتراضي أو تصميم مشروع تقني.
وأشارت إلى أن هذه التجارب تكشف مهارات لا تظهر بالضرورة في الدرجات المدرسية، مثل القيادة والتواصل والتفكير التحليلي، مؤكدة أن اكتشاف الطالب عدم ملاءمة مهنة كان يحلم بها يمثل نتيجة إيجابية تساعده على إعادة تقييم اختياراته قبل الالتحاق بالجامعة.
وشددت على أهمية إتاحة الفرصة للطلبة للتحدث إلى أصحاب المهن والتعرف إلى تجاربهم الواقعية، بما فيها الصعوبات والتحديات، حتى لا تتحول الصورة الجذابة للمهنة إلى سبب لاتخاذ قرار أكاديمي غير مدروس.
قرارات مبكرة
وحذّر مروان حامد، مرشد أكاديمي ومهني، من الخلط بين الإرشاد المهني المبكر والتحديد المبكر للمستقبل الوظيفي، مؤكداً أن الهدف من تعريف طلبة الحلقة الثانية بالمهن يجب أن يكون توسيع مداركهم واكتشاف قدراتهم، وليس دفعهم إلى اختيار تخصص جامعي بصورة نهائية.
وأوضح أن اهتمامات الطلبة تتغير مع تقدمهم في العمر، وقد يظهر الطالب ميلاً إلى العلوم ثم يكتشف قدرات متميزة في التصميم أو البرمجة أو المجالات الإنسانية، مشيراً إلى أن التفوق في الرياضيات لا يعني بالضرورة أن الهندسة هي الاختيار الأنسب، كما أن التميز في العلوم لا يجعل الطب المسار الوحيد.
وأكد أن اختبارات الميول المهنية ينبغي أن تستخدم مؤشرات قابلة للتطور، وليس أحكاماً نهائية، مقترحاً إعداد ملف مهني متدرج لكل طالب يبدأ من الحلقة الثانية، ويتضمن اهتماماته ومشروعاته والأنشطة التي شارك فيها والمهارات التي أظهرها، مع تحديثه خلال المراحل الدراسية المختلفة.
وأشار إلى أهمية تنظيم جلسات إرشادية دورية لمراجعة اختيارات الطلبة، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرف إلى تخصصات جديدة، والتحدث إلى أصحاب المهن، وزيارة مؤسسات العمل، بما يساعدهم على تكوين صورة واقعية عن الخيارات المتاحة.
وشدد على أن نجاح أسبوع المهن لا يقاس بعدد الفعاليات أو الجهات المشاركة، وإنما بمدى قدرة الطالب بعد انتهائه على فهم نفسه بصورة أفضل، والتعرف إلى مجالات جديدة، وتحديد المهارات التي يحتاج إلى تطويرها، مؤكداً ضرورة استمرار الإرشاد المهني طوال العام الدراسي.
مهن تحت التحول
وفي محور التغيرات المهنية، أكدت التربوية آلاء الحواري أهمية أن يضع الطلبة في اعتبارهم التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، وألا ينظروا إلى التخصصات الجامعية باعتبارها اختيارات ثابتة تضمن لهم وظائف محددة بعد التخرج، خصوصاً أن بعض المهن التي تبدو مستقرة ومطلوبة حالياً قد تتغير طبيعة مهامها خلال السنوات المقبلة.
ولفتت إلى أن التوسع في استخدام الأنظمة الذكية لا يعني بالضرورة اختفاء المهن التقليدية، وإنما إعادة تشكيل طبيعة العمل داخلها، مع احتمال تراجع الحاجة إلى بعض المهام الروتينية والمتكررة، مقابل زيادة الطلب على مهارات التحليل والإبداع واتخاذ القرارات والتعامل مع التقنيات الحديثة.
وأوضحت أن التحولات المهنية تشير إلى أهمية أن يدرس الطالب مستقبل التخصص قبل اختياره، وأن يتعرف إلى الوظائف المرتبطة به، والمهارات التي يتوقع أن يحتاج إليها أصحاب العمل خلال السنوات المقبلة، ومدى قدرة التخصص على إتاحة فرص للعمل في أكثر من مجال.
ويستدعي ذلك تطوير فعاليات أسبوع المهن لتشمل جلسات متخصصة حول مستقبل الوظائف، تستضيف خبراء من القطاعات المختلفة لشرح تأثير الذكاء الاصطناعي في طبيعة العمل، والمهارات التي تزداد أهميتها، والتخصصات التي تشهد تحولات في متطلباتها.
منظومة تعليمية
وأكدت الدكتورة نورة العامري، خبيرة تربوية، أن الطلبة الذين سيتخرجون من المرحلة الثانوية بحلول عام 2030 يحتاجون إلى منظومة تعليمية تركز على بناء المهارات القابلة للتطوير والانتقال بين التخصصات، بدلاً من إعدادهم لمسار مهني واحد يفترض أن يستمر طوال حياتهم.
وأوضحت أن خريج 2030 يحتاج إلى خمسة مقومات أساسية، تشمل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والإلمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتواصل والعمل الجماعي، والتعلم الذاتي المستمر، مؤكدة أن هذه المهارات لا تقل أهمية عن التحصيل الأكاديمي.
وأضافت أن بعض الطلبة يتقنون استخدام التطبيقات الذكية للحصول على إجابات سريعة، لكنهم لا يمتلكون بالضرورة القدرة على تقييم صحتها أو اكتشاف الأخطاء، ما يستدعي الانتقال من تعليم استخدام التكنولوجيا إلى تنمية التفكير النقدي.
وأشارت إلى أن المدرسة التي تكتفي بتعليم الطالب استخدام أداة ذكاء اصطناعي تمنحه مهارة قد تتغير مع تطور التطبيقات، بينما المدرسة التي تعلمه تحليل المشكلات وطرح الأسئلة واختبار النتائج تمنحه قدرات يمكنه الاستفادة منها طوال حياته.
وأكدت أهمية المشروعات المدرسية متعددة التخصصات، التي تجمع العلوم والتكنولوجيا والمهارات الإنسانية لحل مشكلات واقعية، إلى جانب تنمية التعاطف والمرونة النفسية وتحمل المسؤولية والعمل الجماعي.
وشددت على أن الاستعداد لعام 2030 لا يعني مطالبة الأطفال بتحديد وظائفهم منذ الآن، وإنما إعدادهم لامتلاك الخيارات والقدرة على اتخاذ القرارات عندما تتضح ميولهم، مؤكدة أن المدرسة الناجحة ليست التي يتخرج منها الطالب وهو يعرف اسم الوظيفة التي يريدها فقط، بل التي تمنحه القدرة على التعلم والتكيف وتغيير مساره إذا تغيرت متطلبات سوق العمل.

