التاريخ البديل.. ماذا لو لم تسقط الأبراج في 11 سبتمبر؟

منذ خمسة وعشرين عاماً يلاحق سؤال «ماذا لو؟» ذكرى 11 سبتمبر كظلّها، غير أن السؤال نفسه يحمل سمعة ملتبسة بين المؤرخين منذ ما قبل الحادث نفسه، فقد عدّه إدوارد هاليت كار في كتابه «ما التاريخ؟» (1961) ضرباً من ألعاب الصالونات. ورأى فيه ريتشارد إيفانز في «ماضٍ مُعدَّل» (2014) باباً تتسلل منه الأهواء السياسية إلى البحث. في المقابل، دافع نيال فيرغسون في «التاريخ الافتراضي» (1997) عن جدواه، بشرط الاقتصار على البدائل التي فكّر فيها المعاصرون أنفسهم ودوّنوها. ووضع فيليب تيتلوك وآرون بيلكين قاعدة «التعديل الأدنى»، والتي تقول: "غيّر أصغر تفصيل ممكن، ثم تتبّع ما يترتب عليه".

ويلخص تيتلوك المأزق حين يحذّر من أن الفرضيات المضادة للواقع تتحول كثيراً إلى «أسلحة دمار شامل بلاغية» بدلاً من أن تكون أدوات لفحص منطق السببية. ولا تخفى المفارقة في التشبيه، فقد كتب العبارة في تقريظه لكتاب فرانك هارفي الذي يدرس حرب العراق.

إحباط الهجوم

سؤال 11 سبتمبر يستوفي شروط الطرفين معاً؛ فالبديل هنا ليس اختراعاً بأثر رجعي، بل إن احتمالات منعه كانت موجودة بالفعل في وقائع زمنه. ففي أغسطس 2001 اعتقل عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي في مينيسوتا زكريا موسوي، وطلبوا تفتيش حاسوبه فرُفض طلبهم. وقبل ذلك بعامين، في 1999، تسلّم الكونغرس تقرير لجنة هارت - رودمان محذّراً من أن أمريكيين سيموتون على الأرض الأمريكية، وربما بأعداد كبيرة، ولم يحظَ التحذير آنذاك بالاهتمام العام المتناسب مع خطورته.

كان إحباط الهجوم، وفق لجنة التحقيق نفسها، احتمالاً معقولاً بتغيير محدود في سلسلة القرارات السابقة عليه، وهذا ما يمنح السؤال مشروعيته المنهجية. ومن أبرز من طرح السؤال مبكراً على نطاق صحافي واسع مجلة «نيويورك» في الذكرى الخامسة. ففي عددها الصادر في 21 أغسطس 2006 تخيّلت عالماً لم يقع فيه اليوم الذي غيّر كل شيء، وعرضت الفرضية على مفكرين وكتّاب وسياسيين من القس آل شاربتون إلى الروائي توم وولف والفيلسوف الفرنسي برنار - هنري ليفي. وحرّر الملف الصحفي جون هايلمان. ودارت الأسئلة يومها حول ما إذا كان هجوم ما حتمياً، وما إذا كان بوش سيفوز بولاية ثانية، ومنذ ذلك الحين تفرّقت الإجابات في ثلاث مدارس.

قدر مؤجل

المدرسة الأولى ترى الهجوم قدراً مؤجلاً. إذ كتب جيمس كارافانو، خبير الأمن القومي في مؤسسة «هيريتيج»، أن الأمريكيين لو لم يقع 11 سبتمبر لكانوا يحيون اليوم ذكرى تاريخ لاحق بوصفه أفدح ضربة إرهابية على أرضهم. وحجته أن بن لادن خرج من تجربة الصومال مقتنعاً بأن الجنود الأمريكيين نمور من ورق، وأن ضربات موجعة ستدفع واشنطن إلى الانكفاء عن العالم. ولو فشلت محاولة الأبراج الثانية لعاودت "القاعدة" المحاولة مرة بعد مرة. غير أن هذه المدرسة تعامل التاريخ كأنه تفصيل محايد، وهو أبعد ما يكون عن ذلك. الهجوم وقع في لحظة بعينها؛ فالإدارة في شهرها الثامن، والخزانة في فائض نادر، والجيش بلا منافس، ونشوة الأحادية في ذروتها.

اجتمعت أدوات الرد المفرط كلها في خريف واحد، أما هجوم في 2004 أو 2006 فكان سيصادف أمريكا أخرى، ورئيساً آخر ربما، وأولويات قد تكون الصين تصدّرتها بعد حادثة طائرة التجسس.

عقد مهدر

المدرسة الثانية تنقل الثقل من الهجوم إلى الرد، ففي الذكرى العشرين كتب المؤرخ البريطاني دومينيك ساندبروك في «ديلي ميل» خطاً زمنياً بديلاً يمتزج فيه الجد بالسخرية. فيه يواصل بوش نهج كلينتون بضربات جوية متفرقة ويرفض غزو أفغانستان. ثم يدعم في ربيع 2003 غزواً خططت له الاستخبارات المركزية بقوة صغيرة من المنفيين العراقيين، فيسحقه الحرس الجمهوري. ويخسر بوش انتخابات 2004 أمام آل غور، الذي يخسر بدوره في 2008 أمام الشعبوي مايك هاكابي. وينتهي بن لادن مقتولاً على يد قوات عراقية في 11 سبتمبر 2016. ثم يترك الكاتب اللعبة ليصل إلى خلاصته الجادة؛ من دون 11 سبتمبر لما وقعت على الأرجح حرب أفغانستان ولا حرب العراق. أما الصين وروسيا والأزمة المالية وتغير المناخ فكانت ستأتي على أي حال، وقد يبدو العالم البديل خارج هذين البلدين شبه مطابق لعالمنا.

وأهمية الحدث عنده في طريقة استجابة الغرب، التي أهدرت عقداً نادراً كان يمكن أن يُبنى فيه المستقبل. ويتقاطع هذا مع قراءة غيديون روز، رئيس تحرير «فورين أفيرز» السابق الذي يرى أن الهجمات أطلقت القوة الأمريكية على العالم، وأنتجت انتشاراً هائلاً للموارد ودوراً عالمياً نشطاً ما كان ليُتصوَّر لولا الشرارة المباشرة.

آل غور رئيساً

المدرسة الثالثة جاءت من الاتجاه المعاكس تماماً؛ ففي كتابه «تفسير حرب العراق» (2012) تحدى الباحث الكندي فرانك هارفي الرواية السائدة التي تحمّل المحافظين الجدد وحدهم مسؤولية الحرب.

لم يحذف هارفي الهجوم، وإنما حذف الرئيس، وسأل: هل كان آل غور سيغزو العراق؟ وبنى هارفي حجته على أن الإجابة الأرجح هي "نعم". فقد أيّد آل غور بقوة عودة المفتشين وتشديد التفتيش، وكان هو ومستشاروه متشددين تجاه العراق وتغيير نظامه. ودافع عن استخدام القوة في العراق عامي 1991 و1998، وفي البوسنة 1995، وكوسوفو 1998.

اختار علماء السياسة الكنديون كتاب هارفي لجائزتهم الكبرى، لكنه لم يسلم من النقد. فقد رأت دراسة في «مجلة الدراسات الاستراتيجية» أنه أغفل كيف صنعت إدارة بوش نفسها السياق الذي تحركت فيه، حين جعلت العراق محور ردّها على الإرهاب في الأشهر الستة التالية للهجمات.

وما زال السؤال حياً في الذكرى الخامسة والعشرين؛ إذ ناقش جيمس ليندسي ووالتر راسل ميد في بودكاست مجلس العلاقات الخارجية ما إذا كان آل غور سيختار طريقاً مختلفاً لو فاز في انتخابات 2000.

تجربتان وفرضية واحدة

هنا تكتمل الأحجية؛ حيث حذف هارفي بوش وأبقى الهجوم، فوقعت الحرب. وحذف مؤرخ «ديلي ميل» الهجوم وأبقى بوش، فغابت الحرب البرية الكبرى. تجربتان ذهنيتان تنطلقان من طرفين متقابلين وتدفعان نحو فرضية واحدة؛ أن الصدمة نفسها ربما كانت أعمق أثراً في رسم الاتجاه العام من شخصية الرئيس وحدها؛ أي لحظة التقاء هجوم مروّع بقوة منفردة في ذروة ثقتها.

أما الاتجاه العام، فتشير هذه القراءات إلى أن الصدمة كان لها الوزن الأكبر. وحتى مدرسة الحتمية تقرّ ضمناً بذلك، فهجومها المؤجل كان سيصيب أمريكا مختلفة، وسيستدعي على الأرجح رداً مختلفاً.

الخيال الغائب

ماذا يمنحنا التاريخ البديل إذن بعد ربع قرن؟ إنه يعمل كصورة أشعة تفصل ما صنعه الحدث عمّا تزامن معه. التيارات العميقة جرت في مجاريها المعتادة في كل السيناريوهات تقريباً؛ صعود الصين، والثورة الرقمية، ومظالم العولمة، وأزمة 2008، والموجة الشعبوية.

أما ما يمكن ربطه بالصدمة بدرجة أعلى من الثقة فهو الحرب في أفغانستان، والبيئة السياسية التي جعلت غزو العراق ممكناً، والتوسع الهائل في الدولة الأمنية الأمريكية، وتحويل مكافحة الإرهاب إلى المبدأ المنظّم للسياسة الخارجية لعقدين.

سمّت لجنة التحقيق الوطنية ما جرى «فشلاً في الخيال»؛ وأقصى ما يقدمه التاريخ البديل تمرين متأخر في ذلك الخيال الغائب، يستحضر البدائل التي لم يتسع لها وقت صانعي القرار في خريف 2001، حين كانت الصدمة تضيّق الأفق في اللحظة التي كان ينبغي أن يتسع فيها.