عندما تسكن بيتاً يصير البيت جزءاً من تكوينك وتاريخك مهما كان الزمن الذي أمضيته فيه، فخلال ذلك الوقت نمت وصحوت، تنفست وتحركت، استقبلت عائلتك وأصدقاءك، تحدثت وفكرت وضحكت وبكيت، طهوت طعامك وجلست تتناوله مع أصدقائك أو مع أبنائك، فكرت طويلاً بما تحب وبما يزعجك، تأملت أمام نوافذه مسيرة حياتك وخطرت ببالك كثيراً فكرة ماذا لو أتيحت لك فكرة أن تبدأ حياتك من جديد! أكنت غيرت خياراتك يا ترى؟ أم أن الإنسان كالتاريخ يكرر أخطاءه وغباءاته تلقائياً؟
عندما نسافر إلى مدينة تطأ أقدامنا أرضها لأول مرة، قد ننكرها، قد ننفر من خشونة أهلها وتقطيبات وجوههم، قد لا تستهوينا أطعمتها ولا مناخها، وقد لا يكون فيها أمر مزعج بشكل ظاهر لكننا لا نأتلف معها، فمعادلة التآلف والنفور لا تعمل في مجال القلوب والأرواح فقط، لكنها تكون مع المدن والأمكنة كذلك، وقد نحط رحالنا في مدينة أخرى فنقع في غرامها منذ إطلالتنا الأولى عليها من نافذة الطائرة!
ثم إذا ترددنا عليها مراراً، وهذا ما نفعله عادة، وإذا وقعنا في الغرام (غرام المدينة أقصد)، فإن هذه المدينة تصبح جزءاً من ذاكرتنا وذكرياتنا، فكم مرة جلسنا بين أصدقائنا وسردنا عليهم المواقف تلو الأخرى مما حدث معنا فيها، وكم مرة كتبنا عنها وذكرناها في أحاديثنا واشتقنا لمقاهيها وأطعمتها ونزهاتها!
لماذا نرتبط بالأشياء المحيطة بنا هكذا؟ لماذا نتماهى مع الأشياء حولنا؟ فنفرح بها ونحزن لفراقها ونفتقدها ونشتاق إليها؟ وهي ليست سوى جمادات لا أكثر؟ المنازل والشوارع والمدن والمقاهي، والمدارس التي تعلمنا فيها في طفولتنا، وأماكن لهونا وعملنا والطرقات التي قطعناها ذهاباً وعودة..
لأننا بشر ننمو بالمحبة والاحتياج والأخذ والعطاء والحاجة للآخر، والشوق والتعاطف والعطف والرحمة والأمل والرجاء والخوف والبحث عن البهجة والمسرات.. كل هذا نعيشه في هذه الأمكنة مع من نحب ونعرف، هذه الأمكنة تكوننا وتشهد تكوننا ونمونا وتغيراتنا وتقلباتنا، فنترك في كل منها جزءاً منا.