استشارة أهل الاختصاص

لفتني تصريح جميل لوزير التجارة والصناعة في الكويت خليفة العجيل، حينما قال إن المسودة النهائية لمشروع قانون «تمكين التجارة الرقمية» قد أصبح جاهزاً، وذلك بعد مشاورات موسعة أجراها الوزير وفريقه مع أهل الاختصاص.

حيث بلغت نسبة الرضا عن القانون 82 في المئة، وقدم 15 في المئة ردوداً محايدة و3 في المئة فقط سجلوا عدم رضاهم. وهذا يعني أن الوزير العجيل صار في مقدوره إرسال القانون إلى إدارة الفتوى والتشريع ثم مجلس الوزراء لإصدار المرسوم.

ما لفتني أن الوزير استخدم لغة الأرقام ليس عن طريق إحصائية عشوائية أجريت في الأسواق، بل جاءت بعد دعوة المختصين وذوي العلاقة للإصغاء إلى آرائهم التي أُخذت مأخذ الجد.

حيث ذكرت وكالة الأنباء الكويتية (كونا) أن الردود المصنفة على القانون بلغت 5602 رد، وورد للوزارة 749 تعليقاً، وشارك في الجلسة التشاورية 285 فرداً وشركة وجهة حكومية.

شخصياً لا أميل للاستفتاءات العامة في القضايا الجوهرية أو المعقدة، لكن أن تأتي الآراء من المختصين فتلك سنة حميدة تحول «هلامية الآراء» إلى أرقام. يسمى ذلك «فوكس قروب» (مجموعة تركيز) ويسمى أيضاً «استشارة المختصين».

فهب أن الرقم كان معكوساً، كأن يرفض 80 في المئة القانون أو المنتج لا شك أن ذلك يثير مخاوف القائمين عليه ويدعوهم لمزيد من التأني وإعادة النظر الجذرية في مكوناته.

استشارة أهل الاختصاص تتيح لنا تبادل الأفكار، واستكشاف وجهات نظر مختلفة بعضها لم يكن بالحسبان. ولحسن الحظ فإن من المختصين من يحملون معهم أحدث التطورات والممارسات في مجالاتهم. وبعض القرارات تتطلب أن ترتكز على معلومات حديثة، ويُعطي التخصص عمقاً وشيئاً من الموضوعية.

وتجدر الإشارة إلى أن ترتيب لقاءات جماعية يصاحبها تحديات جمة، منها فوضى الحوار أو حدة النقاش خصوصاً عند اختلاف المدارس الفكرية أو المنطلقات الحوارية.

وفي بعض الحالات يفضل تجنب النقاش الجماعي تجنباً للتشويش، ولذلك نضطر أحياناً إلى أن نطلب من المشاركين رأيهم على انفراد، ليُمنح الجميع مزيداً من الوقت والتركيز قبل أن يدلوا بدلوهم.

ومن أنواع استشارات المختصين، «المقابلات الفردية المعمقة» وهي التي يدوّن فيها السائل تفاصيل الآراء الفنية. والخبراء عادة مشغولون في شؤونهم وتحدياتهم، فالالتقاء بأولئك مسألة تتطلب مرونة الانتقال إلى مقر المختصين.

ومن البدائل الأخرى لاستشارة أهل الاختصاص، الشروع بالقرار بصورة فردية، هي أسرع في التنفيذ لكنها تحمل في طياتها انحيازاً شخصياً وعدم احتواء وجهات النظر المختلفة. قد تمنح الاستفتاءات العامة شعوراً بالمشاركة الشعبية لكنها في قضايا معينة قد تؤدي إلى نتائج وخيمة إن لم يدرك الجمهور تعقيدات الموضوع وتداعياته اللاحقة.

فالنفس بطبيعتها حينما تقرر تشغلها المنفعة الآنية للقرار، لكن أهل الاختصاص يدركون مآلات الأمور بعد ردح من الزمن. على سبيل المثال عندما يختار الجمهور خفض الضرائب على اعتبار أنها تمنحهم فائدة فورية من دون إدراك لعواقب تنتظرهم من عجز في الموازنة وانخفاض مستوى الخدمات العامة وغيرها.

على الجانب التجاري، قد يتحمس الجمهور لمنتج من دون إدراك للجوانب الفنية التي قد تحول دون استمراريته على المدى الطويل، مثل تكاليف الإنتاج المرتفعة أو محدودية الموارد اللازمة لتقديمه بالجودة المطلوبة.

والاستشارة سنة حميدة لأنها تغربل الآراء الشاذة. ولذا قال الأحنف بن قيس: «اضربوا الرأيَ بعضه ببعض يتولّدْ منه الصّواب». ويُروى عن الإمام علي -كرم الله وجهه- قوله: «من أُعجب برأيه ضلّ، ومن استغنى بعقله زلّ».