يدور الجدل في الولايات المتحدة الأمريكية حول إمكان إجراء تعديل دستوري لتمكين الرئيس دونالد ترامب من ولاية ثالثة في البيت الأبيض، ويعدّ هذا المسار شبه مستحيل وصعب التحقيق؛ لكونه يواجه إجراءات معقّدة وطويلة، ذلك أنّ أيّ تعديل لا يكون جزءاً من الدستور إلّا بعد تصديقه من قبل المجالس التشريعية لثلاثة أرباع الولايات على الأقلّ، أو من قبل مؤتمرات تعقد في ثلاثة أرباع الولايات، وهو من الأمور التي تتطلّب قدراً كبيراً من الإجماع، ما يُعتقد بأنّه غير حاصل الآن على الرغم من الفوز الكبير لترامب في انتخابات نوفمبر الماضي على منافسته الديمقراطية كامالا هاريس، وعلى الرغم من حيازة الجمهوريين أغلبية مريحة في مجلسي النواب والشيوخ (الكونغرس).
ويبدو أنّ فكرة تعديل الدستور باتجاه السماح بولاية ثالثة لا تحظى بالإجماع الكافي فضلاً عن كونها تتعارض مع روح الدستور الأمريكي وأهدافه الكبرى.
ومعلوم أنّ الدستور الأمريكي هو القانون الأساسي للبلاد، والوثيقة المؤسسة للحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة والتي يرجع تاريخ توقيعها إلى 17 سبتمبر من سنة 1787، ودخل الدستور الأمريكي حيز التنفيذ في مارس من سنة 1789، وهو من أكثر الدساتير استقراراً، فلم يتعرّض للتعديل إلّا في 27 مناسبة منذ تصديقه واعتماده.
ويعد المراقبون أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كثيراً ما ينفرد باتخاذ القرار، ما يُخشى معه إمكان «الانحراف الفردي والاستبدادي» بالسلطة وما قد يتعارض في العمق مع الدستور الأمريكي ومع مبدأ الفصل الصارم بين السلطات.
وقد حرص المؤسّسون منذ نشأة الدستور الأمريكي على تضمينه قواعد تؤمّن الفصل التام بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، إضافة إلى ضمان صلاحيات الولايات صاحبة السلطة الأصلية في الولايات المتّحدة، وتتمتع الولايات بصلاحيات كبيرة للحكم الذاتي.
وتتوزّع الصلاحيات في الولايات المتحدة بين الرئيس والكونغرس والمحاكم الفيدرالية وتتشارك الحكومة الفيدرالية السيادة مع حكومات الولايات.
ومثّل مبدأ فصل السلطات على مدى التاريخ إرثاً أمريكياً متفرّداً ولا يبدو أنّ الأمريكيين عموماً على استعداد للتفريط فيه بأيّ شكل من الأشكال، ذلك أنّ الطاغي في المجتمع الأمريكي هو النزعة المحافظة بكلّ أبعادها، وهو ما لا يتوافق مع «السياسة الإصلاحية» التي تلامس «الثورية» لترامب بعد ما يقرب من شهرين من دخوله البيت الأبيض.
إنّ سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محكومة في ما يُعتقد بعقلية مركزة السلطة فدرالياً على حساب صلاحيات الولايات، ونزعته في إصلاح الإدارة والقضاء لا تخلو هي الأخرى من شوائب الانحراف بالسلطة، وقد يكون إغراق المشهدين المحلّي الوطني والدولي بإعلانات متلاحقة ومكثّفة يُراد منه التورية على نوايا ترامب في التغيير الجذري لطبيعة النظام السياسي الأمريكي، إضافة إلى كون إغراق المشهد بإعلانات متلاحقة يمكّنه من الاستحواذ والهيمنة على الفضاء العام ويجعل من المستحيل لأيّ جهة أخرى إيجاد مكان وسط زحمة هذه الإعلانات التي في غالبيتها غير قابلة للتحقيق، ولكنّه لا مناص من الاغتراب بأنّها سياسة اتصالية ناجحة إلى حدّ الآن.
وإنّ الرئيس الأمريكي الذي لا يفوّت فرصة من دون التذكير بالأرقام التي حقّقها وحزبه في الانتخابات الأخيرة، يرى أنّ نتائجه في الانتخابات يمكن أن تبرّر السياسة التي يسلكها البيت الأبيض تحت يافطة إصلاح الإدارة والقضاء والعلاقة بين الولايات والحكم الفدرالي.
إنّ الفكر الشعبوي الوطني الذي يقود دونالد ترامب ويحدّد سياسته، ليس بالتأكيد محاولة لإحياء أشكال الحكم الفردي الاستبدادي لأنّه منخرط في لبّ العملية الديمقراطية وهو أيضاً ليس بالحادث العرضي في تاريخ الأمم والشعوب لأنّه بدا أنّه مسار ممتدّ وشمل عديد الدول الأخرى، إنّ مكمن القوّة في الفكر الشعبوي أنّه يطمح إلى توسيع قاعدته الشعبية إلى الحدود القصوى، ما يخوّله توسيع نطاق السلطة إلى حدود مخيفة لكونها تمثّل تهديداً مباشراً لوجود المؤسّسات ومبدأ فصل السلطات، وإنّ مكمن الضعف في هذا الفكر الشعبوي عجزه عن تنفيذ وعوده ما قد يجعل منه ظاهرة طاغية ولكنّها وقتية.