يُلقي العالم الرقمي بظلاله الواسعة على الحياة المعاصرة، ويفرض ملامحه الخاصة على الجميع، عالم بلا حدود ولا حواجز، تبرز منصاته الاجتماعية وغيرها كساحات مفتوحة، تشكل الرأي العام، وتبني التصورات، وتوجه السلوكيات، وتغذي العقول.
وتتلاطم فيه أمواج الثقافات المختلفة، مع ظهور أدوات ذكاء جديدة لتوليد المعلومات والآراء والصور والمقاطع المرئية وغيرها، في سباق تقني تنافسي لا يعرف محطة للوقوف، وهنا تبرز أهمية الوعي الوطني كموجه رئيسي للفرد في هذا العالم المترامي الأطراف، ليكون وجوده ونشاطه فيه مثمراً إيجابياً، يتحلى بأعلى درجات الوعي الرشيد بما يمكنه من التعامل الأمثل مع هذا العالم الفسيح.
إن العالم الرقمي وإن كان مختلفاً فهو مشابه للعالم الواقعي من جهة الوجود والكينونات البشرية، فهو أشبه ما يكون بجزيرة كبيرة يجتمع فيها الناس من كل أصقاع الأرض، جزيرة بلا قيود ولا حدود، فكيف ينبغي للفرد أن يتعامل؟
ينبغي أن يتعامل بما يعكس ثقافته، ويترجم حضارته، وبجانب تعبيره فيه عن شغفه بالتطور والمعرفة، فهو يعتز بوطنه وهويته، ويرسخ مبادئ التسامح والتعايش في هذه الجزيرة، يتبادل الخبرات مع الآخرين، ويستفيد من المعارف المتاحة.
ويطلع على ما تزخر به هذه الجزيرة من تقنيات، متحلياً بالتفكير النقدي والأرضية الثابتة التي يسير عليها دون ميلان أو اضطراب، في مكان لا يقتصر الأمر فيه على معلومات تتدفق، بل تشمل كذلك اتجاهات فكرية وسياسية وأيديولوجية وغيرها، فضلاً عن المعلومات الزائفة والشائعات المضللة، في مزيج شبكي متداخل ومعقد.
في مثل هذه الجزيرة يجد الفرد نفسه أمام مزيج من الفرص الكبيرة والتحديات الكبيرة أيضاً، مما يتطلب منه أن يكون على قدر عال من الوعي والحصافة، كي يستفيد من أفضل ما فيها، ويتجنب تحدياتها، فلا يقع فريسة لمعلومات زائفة أو توجهات مغلوطة أو أصدقاء سوء افتراضيين يسحبونه إلى أعماق عوالم مظلمة، فالمعلومة التي يكتسبها لا بد أن يكون على وعي بصحة مصادرها.
والخبر الذي يسمعه أو يقرؤه لا بد أن يتأكد من مصداقيته، ولا يغتر بما يقرأ أو يسمع دون تمحيص، مهما كان مزخرفاً بعبارات أو مرفقاً بوسائط مرئية مؤثرة، متمسكاً في ذلك كله بثوابته الوطنية وقيم مجتمعه الأصيل، ليكون خير سفير لوطنه ومجتمعه في هذه الجزيرة الرقمية، لا ينشر إلا ما هو متأكد منه، وما فيه منفعة وفائدة ولا مضرة فيه، ولا يتلقى إلا ما هو صحيح مفيد، ويراعي في كل مشاركة أو تعليق أو حتى إعجاب قيمه الوطنية.
ومما يتطلبه الوعي الوطني من الفرد أن يكون على معرفة بالفرص المفيدة في هذا العالم الرقمي، ليحسن استثمارها، ويعزز حضوره الإيجابي في هذا الفضاء الواسع، ويستفيد الاستفادة المثلى من التقنيات الرقمية، ويسخرها في تعزيز التنمية الشخصية والمجتمعية، وتطوير مهاراته الرقمية.
وتطوير قدرته المعرفية وإمكاناته الإبداعية والابتكارية، ليكون جزءاً فاعلاً من التطور الرقمي المؤثر إيجاباً في المجتمع، بما يعود عليه وعلى وطنه بالنفع والازدهار.
وإذ كان هذا العالم الرقمي أشبه بالجزيرة المفتوحة فإنه ينبغي على الفرد أن يعي بأن ما ينشره في هذا العالم الافتراضي يعكس قيمه ومبادئه، ويشكل جزءاً من الصورة التي يتلقاها الآخرون عن مجتمعه وثقافته، فعليه أن يكون على قدر المسؤولية، ولا يعكس عن مجتمعه إلا أجمل صورة، ولا عن وطنه إلا أبهى سمعة.
كما أن ذلك يحتم بالضرورة ترسيخ مبادئ التعايش الرقمي السمح في هذا العالم، والمبني على أسس من الاحترام المتبادل والمشاركة الفعالة في تقديم المعرفة الصحيحة والتجارب الهادفة والمحتوى الثري بما يفيد المجتمعات، ويعين على ترسيخ الاستقرار والازدهار والتنمية فيها.
ويبتعد عن أي مظهر من مظاهر التطرف والعنف والتحريض والطائفية وسائر ما يخل بقيم التعايش السلمي، وهذه مسؤولية عالمية مشتركة.
إن التحلي بقيم المواطنة الصالحة الإيجابية في العالم الرقمي صمام أمان، وضرورة لتوجيه الإنسان إلى المسار الصحيح، لبناء عالم رقمي صحي وآمن، تتلاقى فيه المعارف والمعلومات جنباً إلى جنب مع القيم الحضارية والإنسانية، في منظومة متكاملة تصب في خير البشرية جمعاء.