عيد الفطر.. تراثنا الأصيل

يأتي عيد الفطر السعيد كل عام حاملاً معه الفرح والبهجة، ويُسعدني باسمي واسم رواق عوشة بنت حسين الثقافي أن أرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وإلى نائبيه، وإلى إخوانه أصحاب السمو الحكام وأولياء العهود، وإلى شعب الإمارات الكريم، وجميع القاطنين على أرضها، سائلة المولى عز وجل أن يعيده علينا جميعاً بالخير واليمن والبركات.

صحيح أن عيد الفطر هو مناسبة دينية، لكنه أيضاً يجسد لدينا فلسفة الحياة الإماراتية التي تجمع بين الأصالة والحداثة، فهو يعكس حسب وجهة نظرنا قيم المجتمع الإماراتي الراسخة في العطاء والتكافل والتواصل الاجتماعي، وهو ما يجعله مناسبة حية لإعادة إنتاج للقيم الوطنية التي تشكل الهوية الإماراتية، حيث تتشابك عناصر التراث والتقاليد مع المعتقدات الدينية والشعبية لتُنتج لوحة فسيفسائية فريدة تعكس روح المجتمع الإماراتي.

تبدأ الاستعدادات لهذا العيد منذ الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك، حيث تنشغل العائلات بتحضير الحلويات التقليدية، مثل «الخبيص» و«اللقيمات»، وتجهيز الملابس الجديدة للأطفال والكبار، وتجديد المنازل احتفاء بهذه المناسبة. وهذه الاستعدادات هي حالة تراثية عميقة تنسج الروابط الاجتماعية والنفسية بين الأفراد بصورة مثالية، فالبيت الإماراتي يفتح أبوابه لكل من يأتي مهنئاً، وتُقدَّم له القهوة العربية والتمر، تعبيراً عن الكرم الأصيل الذي يميز أهل الإمارات منذ فجر التاريخ.

الفلسفات العالمية بالطبع ذهبت إلى استكشاف المعتقدات وتحليلها، باعتبار أنها أنظمة رمزية تجسد علاقة الإنسان بمجتمعه بشكل وثيق، فمثلاً حين نحتفل بعيد الفطر في الإمارات، نركز على جماليات المفردات والعناصر التراثية الثمينة كعادة «عسب العيد» الذي تقوم فيه العائلات بإهداء مبالغ مالية للصغار، ما يعزز من القيم الاجتماعية مثل الجود والعطاء.

لا يمكن الحديث عن عيد الفطر في الإمارات من دون ذكر صلاة العيد، التي تقام في المصليات والجوامع الكبرى، حيث يحرص الجميع على أدائها في أجواء إيمانية مهيبة، يليها تبادل التهاني بين المصلين، كباراً وصغاراً، في صورة تعكس مدى الترابط الاجتماعي العميق. بعد الصلاة، تُوزَّع الصدقات على المحتاجين، ما يُبرز قيمة العطاء في المجتمع الإماراتي، التي تعتبر جزءاً من الهوية الوطنية.

كذلك تبدأ الذاكرة الجمعية بالتفكير بطريقة تراثية موحدة، وكأنها أوركسترا واحدة تعزف لحن تاريخ هذا الشعب وثقافته، فالمعتقد الديني المرتبط بالمعتقد الشعبي لدينا في موضوعات طعام الأعياد يبدأ بالتفكير في تحضير «الهريس» و«الثريد» و«العصيد»، وهي بالنسبة لنا «رموز ثقافية» تعكس علاقتنا الوطيدة الممتدة مع بيئتنا الساحلية والصحراوية والزراعية. وقد أشار الفيلسوف «ميرسيا إلياده» في كتابه «العود الأبدي» إلى أن الطقوس التقليدية تخلق حالة من الانسجام بين الماضي والحاضر، ما يمنح المجتمع تجربة من «التجدد الروحي». وفي الإمارات، يتجلى هذا التجدد والفرح والجمال اللامتناهي في الأجواء الاحتفالية التي تسود خلال العيد.

لا شك أننا تعلمنا من أسلافنا وأجدادنا وآبائنا وأمهاتنا أن العيد في دولة الإمارات فرصة ذهبية لتعزيز التواصل بين الأجيال، حيث يجتمع الأطفال حول أجدادهم وجداتهم، يستمعون إلى القصص القديمة، ويتعلمون منهم معاني الوفاء والجود وصلة الرحم. هذه اللقاءات هي «مدرسة مفتوحة» تربي الأجيال الجديدة على القيم النبيلة.

التراث الإماراتي في عيد الفطر، حسب وجهة نظري، هو «إطار ثقافي وحدوي» يربط الماضي بالحاضر مع المستقبل. وكما يقول الفيلسوف «إميل دوركايم»، إن الطقوس الشعبية تعمل على تعزيز التماسك الاجتماعي، حيث تصبح القيم المشتركة مثل الكرم والتعاون درعاً لحماية المجتمع من التفكك، ففي دولة الإمارات، دولة التسامح والأخوة والعطاء، تتجسد هذه الفكرة في كل عاداتنا وتقاليدنا مثل تبادل الزيارات بين الأهل والجيران، والتي تعكس مدى تماسك النسيج الاجتماعي الإماراتي، وكذلك سماع الأهازيج ومشاهدة الرقصات الشعبية، مثل «العيالة» و«اليولة»، التي تقام في الساحات العامة، فتضفي على العيد بُعداً فنياً تراثياً يجمع بين البهجة وإحياء الموروث الثقافي. وهذه الفنون هي أيضاً وسيلة لنقل القيم من جيل إلى جيل، حيث إن الرموز الثقافية تعيد إنتاج اللاوعي الجمعي للمجتمع، ما يجعلها أدوات فعالة لفهم الذات والعالم.

عيد الفطر في الإمارات، أعاده الله تعالى علينا وعليكم جميعاً، وعلى دولة الإمارات الحبيبة، والأمتين العربية والإسلامية، هو فلسفة اجتماعية عميقة تعكس روح التضامن والمحبة بين أفراد المجتمع، إنه يوم للفرح والإعلان المتجدد عن هوية شعب يعتز بتراثه، ويفتخر بتقاليده، ويواصل مسيرته الحضارية وهو متمسك بجذوره العريقة الأصيلة التي لا تهزها الريح.

كل عام والإمارات وشعبها بألف خير، أعاده الله علينا جميعاً باليمن والبركات.