في القرن الثامن عشر الميلادي، زار المتصوف اليمني علوي بن أحمد الحداد رأس الخيمة، وكتب عنها في مخطوط عثر عليه صدفة الراحل الأديب أحمد راشد ثاني أثناء زيارته إلى صنعاء مع وفد من المجمع الثقافي بأبوظبي، برفقتهم أ. عبدالله الحبشي من حضرموت، وهو باحث ومؤرخ يعمل في المجمع الثقافي، ولديه مؤلفات فكرية..
دعا الحبشي الوفد إلى بيته لزيارة مكتبته الخاصة في صنعاء، نتيجتها صدفة عثور أحمد راشد ثاني على بضع صفحات في مخطوط تكررت فيها كلمة «الصير»، وهو اسم رأس الخيمة قديماً، حيث كان لفظ صير يطلق على الأرض المرتفعة، وأحياناً البرج أو القلعة...
المهم أن المخطوط كان للمتصوف الحضرمي علوي الحداد وهو من الأسر العلوية الهاشمية، كتب فيه عن رحلته إلى الصير، بجانب حكايات شعبية، وأحمد راشد ثاني بذل بدوره جهداً كبيراً في تحقيقه وتناوله حياة الرحالة علوي، كاشفاً معلومات قيمة عن الخليج، وخاصة الجوانب الحياتية المختلفة منها الحركة الصوفية المتأصلة في صير ومنطقتنا.
دوّن المتصوف رحلته من رأس الخيمة وجزيرة الزعاب والعين، وبعض ما جرى في المنطقة، وعن رحلة صوفيين آخرين إلى الصير واستقرارهم فيها حتى وفاتهم، منهم زين العابدين الحداد، وعن قبره في الجزيرة الحمراء، وعن أسماء أفراد وعائلات، وعن قصائد لشاعر يدعى محمد بن صالح المنتفقي ساكن الصير، والمعروف اليوم أن قبره في «كمزار»، كما دوّن عن الشعر الحميني وعلاقته بفن الأغنية الخليجية..
المتتبع للكتاب يجد تحقيقاً رائعاً لصوفي آخر في زمن المتصوفة، مثل حاتم الأهدل ومريديه وغيرهم من المنتشرين حينها في حضرموت وظفار والحجاز والحبشة وجزر القمر والهند وجاوة وهرمز وعمان والإحساء... مبيناً في تحقيقه أن الصلة بين الصير والفرقة الصوفية الحدادية تعود إلى أيام القطب عبدالله الحداد في القرن السابع عشر، ذاكراً حكاية رجل دمشقي جاء إلى مدينة تريم الحضرمية، وكتب أنه قادم من الصير مروراً بالرمس، أي حين كانوا ينتقلون سفراً إلى حضرموت بمراكب أهالي الرمس، وأنه كيف التقى بأناس من آل ثالث، كانوا على صلة طيبة بالقطب الحداد، وهو من زوده بالمال والمركب للسفر ... والجدير بالذكر أن القطب مرتبة من المراتب الستة لطبقات المتصوفة التي قسمها الفيلسوف محي الدين ابن عربي، وهي أعلى رتبة يصلها المتصوف..
رحم الله أحمد راشد ثاني الذي رحل مبكراً، لكنه ترك إرثاً، لكتابات أخضعها للدراسة والنقد لجوانب هامة من تراث وتاريخ مجتمعات الخليج العربي.