نادراً ما نجد في وقتنا الحاضر، مؤرخاً يؤرخ تاريخاً بشكل فردي، وبطريقة موضوعية وهو يعيد تشكيل الحدث التاريخي، ونادراً ما نجده مؤرخاً لا تغلبه العاطفة، أو لا تحكمه الديانة، أو الطائفية أو الجذور، ونادراً ما نجد مؤرخاً ينقد نقداً علمياً، لما ورد من أحداث تاريخية.. فبعضهم تغلبه المشاعر، أو الغرور، وبعضهم المذهب السياسي، إن دخل حروباً بتاريخ عليه جدل فحقد، أو تاريخاً يفسره من واقع ظروفه، أو الذي مَرّ به، دون تفسير الوثائق الواردة عن الحدث التاريخي، ودون أن يحتاط بالروايات المتوفرة ويحللها..
قراءة الكتب المؤرخة لا تريد توجيهاً معيناً، ولا تحريضاً للعين، بل قراءة بضوء القلب، فالمؤرخ ملزم باستثمار التاريخ الإنساني من أجل دروس في زمن قادم، وتدوين للتاريخ وفقاً للاجتهاد، أقصد اجتهاد المؤرخ للوصول إلى الأحداث التاريخية، ويبقى الأصل اجتهاد قد تأسس أولاً في وجدانه وفكره، بنقده نقداً موضوعياً، فالتاريخ ليس رأياً، ولا وجهة نظر، هو أحداث عن مختلف جوانب الحياة والمجتمع، الخاصة والعامة، دون زيادة أو نقصان، ومن دون رأي سلبي ولا رأي إيجابي، فلا وجود للآراء بقدر الاستشهاد بالمصادر الموثوقة من الأدلة، وهو متسلسلاً بالزمن..
شهدنا في تاريخنا الطويل أهم المؤرخين المسلمين العرب، الذين عملوا وبشكل فردي، كالمؤرخ ابن خلدون الذي جاء قبل ستة قرون، من أقواله: (التاريخ أخبار) لكنه قال أيضاً: (التاريخ فن)، ويقصد الفن هنا المهارة والإبداع والدقة.. ومؤرخ آخر من زمن قريب عاش في القرن العشرين، واشتغل بشكل فردي، هو المؤرخ العراقي جواد علي، صاحب (المُفَصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، وهو مصدر من المصادر الموثوقة، قال: «عمل المؤرخ بشكل فردي له ميزات علمية وموضوعية، يجعل من كتابه متناسقاً ومتحداً ومتواصلاً بصورة طبيعية، وأثبت أن المؤرخ الفردي هو أفضل من ظهر في تاريخ المؤرخين».. دون أن ننسى المؤرخ الألماني ثيودور مومسون، صاحب (تاريخ روما) الموضوعي، عمل وحيداً وترك أثراً عميقاً في أمته ..
واليوم؟ نجد في عالمنا الكثير من الكتب المؤرخة، لكننا نتعرف على ضجيج دون معرفة التاريخ، فلا يثبت شيئاً .. فمن الذي بإمكانه أن يؤرخ في هذا العصر بصمت ولوحده كما فعل أولئك، حين كتبوا الحقيقة من أحداثٍ ماضية؟