القصيدة الذهبية

في تاريخ الأدب العربي عدد من القصائد سميت بـ«القصيدة الذهبية» مثل؛ بائية الحميري في مدح علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ومطلعها:

هلّا وقفت على المكان المعشب

بين الطويلع فاللّوى من كبكب

و«القصيدة ‌الذهبية في كشف أسرار العربية»- للحريري- غير صاحب المقامات- وأولها الحمد لله حمداً طيباً عطراً.. و‌القصيدة ‌الذهبية، للشريف المرتضى، ولم أظفر بشيء عنها!

أما هنا فمرادنا معلقة عنترة، وهي رابعة السبع الطوال عند ابن الأنباري ومطلعها:

‌هَلْ ‌غَادَرَ ‌الشّعراءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ؟

أَمْ هَلْ عَرَفتَ الدّارَ بَعدَ تَوَهّمِ

وهي أَجود شعره، ولقبتها العرب«المذهبة» بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول من التذهيب، وهو بِمَعْنى التمويه والتطلية بِالذَّهَب.

وقد حفلت المعلقة ذات الـ«84» بيتاً بقيم جمالية عالية، تعدُّ بحق من معالي مكارم الأخلاق العربية، بل الإنسانية والعالمية، فقد صور فيها عنترة البطولة بأسمى معانيها، والفروسية بأزهى مبانيها، في أوقات الرخاء والشدة، وميادين البأس والقتال، وتحدث فيها عن مفهوم الشهامة، وعن المرأة وما تمثله للرجل العربي من عز وكبرياء وشرف، فلزاماً أن تُصان بالنفس والنفيس.

ومعلقة عنترة بجملتها تمثل مفاهيم العرب عن ثالوث الحق، والخير، والجمال بشكل عام، ومفهوم عنترة عن ذلك بشكل خاص.

فهو وإن كان يصور تجربة ذاتية، إلا أنه يزينها ويتغنى بها لتكون نبراساً عاماً يُحتذى بها، ويعلمها الآباء للأبناء، فهو بهذا يشبه المتنبي حكيم العربية ولسانها. فالشهامة والفتوة بمثلها العليا، ومبادئها السامية، وقوانينها النبيلة، تقتضي الوفاء بالعهد للديار والراحلين معاً.

ويدلك هذا دلالة قاطعة على وجود مكارم أخلاق أصيلة في العرب، جاء الإسلام من بعد ليتممها. لذلك عدَّ الإفرنج «قصة عنترة» من بدائع آداب العرب، فترجموها إلى الألمانية والفرنسية. ولولا ضيق المقام لمثلنا على كل مفهوم ببيت من الشعر أو أكثر. ولعلنا نفعل ذلك في مقال آخر.