في قلب آسيا الوسطى، تشهد أوزبكستان التي يشكل المسلمون فيها 96 % من مجموع سكانها، احتفالات رمضانية غنية بعبق التاريخ والروحانيات، حيث يلتقي التراث الإسلامي العريق مع عادات معاصرة، تُضفي على الشهر الفضيل رونقاً خاصاً.
تبدأ التحضيرات قبل حلول الشهر الفضيل بتنظيف البيوت وتزيينها، وترتيب الشوارع والساحات بالأضواء والزينة، استعداداً لاستقبال ضيف عزيز طال انتظاره. في قلب هذا الشهر الفضيل، يتجلى الانسجام بين الماضي العريق والحاضر المعاصر، إذ يحتفي الأوزبكيون بتراثهم الديني، من خلال إحياء تقاليد محفورة في الذاكرة الجماعية، ولا يقتصر الأمر على الاحتفالات المنزلية فقط، بل تمتد الفعاليات إلى الساحات العامة، حيث تتلاقى الوجوه المشرقة في جو من الأخوة والمحبة.
تعد أوزبكستان مهداً للعلماء والمفكرين الذين تركوا بصماتهم الخالدة في التاريخ الإسلامي، منهم الإمام البخاري، وأبا الريحان البيروني، والإمام الترمذي، وأبا القاسم الزمخشري، وغيرهم ممن ساهموا في بناء الحضارة الإسلامية فكرياً. وهذا التراث العلمي يبرز فخر الأمة بإنجازاتها التاريخية والدينية، ما يعزز الهوية الإسلامية لدى الشعب.
موائد عامرة
تبدأ موائد الإفطار بإعداد أطباق تقليدية، تجمع بين النكهات المحلية واللمسات العصرية، ومن بين هذه الأطباق الشهيرة «السموسا» المحشوة باللحم والبصل المشوي، التي تُخبز حتى تصبح ذهبية اللون، وتقدم مع شوربة «الماستو» الغنية بالأرز واللحم والشحم. وبعد الإفطار، يندمج الناس في أداء صلاة المغرب والتراويح، حيث يسود الخشوع والسكينة في المساجد التي تعج بالمصلين.
وفي ساعات السحور، يحضِّر الناس طبق «الأش» التقليدي، وهو أرز مطبوخ بدهن الضأن، ليمنحهم الطاقة والقوة لمواصلة الصيام طوال النهار. كما تُقام حفلات إفطار جماعية، تجمع العائلات والأصدقاء والجيران، وتكتمل الفرحة بذبح الخراف، وتقديم الأرغفة المخبوزة بيتياً مع الشاي الأسود، الذي لا يخلو من نكهة الأصالة والضيافة.
إلى جانب المناسبات الدينية والاجتماعية، يُظهِر رمضان في أوزبكستان روح العطاء والتكافل، من خلال توزيع المساعدات والهدايا على المحتاجين. وتتنوع الفعاليات بين تلاوة القرآن في المساجد وجلسات النقاش الثقافي، التي تسهم في تعزيز الوعي الديني والتاريخي لدى الشباب. علاوة على المحافظة على التراث العريق، ونقل قيم التسامح والمحبة إلى الأجيال القادمة، ما يجعل من رمضان مناسبة تجمع بين الروحانيات والأنشطة الاجتماعية.
ويعبّر هذا المزيج الفريد من التقاليد القديمة والحداثة عن عمق الارتباط بالهوية الإسلامية لدى الشعب الأوزبكي، حيث يستمد قوته من ماضيه العريق لمواجهة تحديات الحاضر.