Al Bayan
today-time05 شوال 1446 هـ ، 3 أبريل 2025 م
prayer-time

من قتل جون إف كينيدي؟

اغتيال جون ف. كينيدي لا يزال جرحًا مفتوحًا في الوعي الأمريكي، صوره الشاعر ريتشارد أوكونيل في قصيدته «نيكروس» بلحظة مروعة وقصيدة خالدة في الذكريات الأمريكية عندما قال: «رأس يهوى إلى الخلف والدم يسيل من الجمجمة… كل التاريخ يسري مع هذا السيل».. تلك الثواني المروعة في ساحة ديلي بلازا بمدينة دالاس يوم 22 نوفمبر 1963 تركت لغزًا لا يزال عصيًا على الحل، على الرغم من رفع السرية عن 80,000 وثيقة.

قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفع السرية عن تلك الملفات أعاد إشعال التكهنات المحيطة بأحداث ذلك اليوم.. لم يكشف الحقيقة كاملة أو يجيب على كل الأسئلة، ولكنه أضاف استفهامات جديدة على حيرة سابقة، فأثناء زيارة ترامب لمركز كينيدي للفنون المسرحية أول من أمس، قال ترامب للأمريكيين: «لديكم الكثير لتقرؤوه»، مضيفًا أن إدارته لن تحجب أي معلومات، ليتصور البعض أن الحقيقة ستنجلي وتتكشف خيوطها.

ويأتي هذا بعد قرار ترامبالسابق في 2017 بنشر وثائق إضافية، رغم بقاء آلاف الصفحات محجوبة لدواعٍ أمنية، وفي يناير، وقع ترامب أمرًا تنفيذيًا برفع السرية عن جميع الملفات المتبقية المتعلقة باغتيال كينيدي، وكذلك باغتيال روبرت ف. كينيدي ومارتن لوثر كينغ الابن.

الدفعة الأخيرة من الوثائق - التي نُشرت على موقع الأرشيف الوطني الأمريكي - تتضمن سجلات كانت محجوبة سابقًا، مع تحديد 1123 ملفًا جديدًا، فتحوا الأبواب للباحثين والمحللين ليبدأوا في فحصها المواد بحثًا عن رؤى جديدة.

download (2)
download (2)

ادعاءات عميل استخبارات سابق

وتقول الوثائق إنه في الليلة التي تلت اغتيال كينيدي، هرب ضابط الاستخبارات ج. غاريت أندرهيل من واشنطن وهو في حالة اضطراب شديد، متجهًا إلى منزل صديق في نيوجيرسي، حيث وصل وهو يبدو عليه الارتباك، ووفقًا للمذكرات التي رُفعت عنها السرية، زعم أندرهيل أن «مجموعة من الأفراد» داخل وكالة الاستخبارات المركزية كانوا مسؤولين عن اغتيال كينيدي.

أندرهيل قيل إنه أفصح لصديقته تشارلين فيتسيمونز بأن المخابرات الأمريكية الـCIA نظمت عملية القتل، وقال، بحسب ما ورد، «لي هارفي أوزوالد مجرد كبش فداء»، مُصرًا على أن الجناة الحقيقيين «ارتكبوا أمرًا شنيعًا» وكانوا متورطين في تهريب الأسلحة والمخدرات وأنشطة غير مشروعة أخرى.

أندرهيل كان ضابطاً بارزا في الاستخبارات الأمريكية، ومستشار، وكاتب في الشؤون العسكرية، الأمر الذي أضفى مصداقية على كلامه المذكور في الوثائق، والتي جاء في إحداها والمؤرخة في 19 يوليو 1967:

«الأصدقاء الذين زارهم أندرهيل يقولون إنه كان رصينًا لكن في حالة اضطراب شديد، يقولون إنه نسب جريمة قتل كينيدي إلى حفنة من الضباط داخل وكالة الاستخبارات كانت تدير تجارة مربحة في تهريب الأسلحة والمخدرات وغيرها من البضائع المهربة، وتقوم بتدبير المؤامرات السياسية لخدمة مصالحها، ويُقال إن كينيدي علم بالأمر وقُتل قبل أن يتمكن من كشفه علانية، وعلى الرغم من أن الأصدقاء كانوا دائمًا يعتبرون أندرهيل عاقلًا وموضوعيًا، إلا أنهم لم يأخذوا روايته على محمل الجد في البداية، والسبب الرئيسي، كما يقولو الأصدقاء: لم نكن نصدق أن وكالة الاستخبارات قد تحتوي على عنصر فاسد قاسٍ تمامًا - وأكثر كفاءة - من المافيا»

وخوفًا على حياته، غادر أندرهيل واشنطن فورًا بعد الاغتيال، قائلًا لأصدقائه إنه قد يضطر إلى الفرار من البلاد، وبعد أقل من ستة أشهر، في 8 مايو 1964، عُثر عليه ميتًا في شقته بواشنطن برصاصة في الرأس، السبب الرسمي المعلن من الإدارة الأمريكية وقتها عن سبب الوفاة أنه كان انتحارًا، لكن التناقضات - مثل كونه مصابًا خلف الأذن اليسرى رغم كونه أيمن اليد زاد من رقعة الشائعات والاستنتاجات، وأثار غموضاً مضاعفاً على حادث اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي.

وتذكر الوثيقة:

«الحكم بالانتحار في وفاة أندرهيل ليس مقنعًا بأي حال، عُثر على جثته بواسطة المتعاون الكتابي آشر براينز. وقد أُصيب خلف الأذن اليسرى، وكان مسدس أوتوماتيكي تحت جانبه الأيسر، أمر غريب، يقول براينز، لأن أندرهيل كان أيمن اليد، يعتقد براينز أن المسدس كان مزودًا بكاتم صوت، ولم يتذكر سكان المبنى سماع إطلاق نار، ومن الواضح أن أندرهيل كان ميتًا منذ عدة أيام».

المسيرة الاستخباراتية لأندرهيل

ووُلد أندرهيل في بروكلين عام 1915، وتخرج من جامعة هارفارد ودخل عالم الاستخبارات خلال الحرب العالمية الثانية، وقد حصل على إشادة من وزارة الحرب لأدائه الممتاز في خدمة الاستخبارات العسكرية، وبعد الحرب، كان من بين المرشحين للتجنيد في الـCIA، رغم أن السجلات تشير إلى ضرورة التعامل معه بحذر ومنحه وصولًا محدودًا للمواد السرية.

وبحلول منتصف الخمسينيات، أصبح أندرهيل صحفيًا ومستشارًا ذو علاقات واسعة، وكتب لمجلتي Life وEsquire، وغالبًا ما كان ينتقد الاستعدادات العسكرية الأمريكية، وواصل تعامله مع وكالات الاستخبارات، خاصة في تحليلات الجيش السوفيتي، وأبلغ ذات مرة مكتب التحقيقات الفيدرالي والـCIA عن هيرمان أكسيلبانك، الذي كان يبيع صورًا لمعدات عسكرية سوفيتية.

علاقات الـCIA وFBI بأوزوالد

الوثائق الجديدة تعمق الشكوك المحيطة بدور لي هارفي أوزوالد، فبينما تؤكد الرواية الرسمية أنه تصرف بمفرده، لا تزال هناك تناقضات حول توقيت إطلاق النار، ومسار الرصاصة، وشهادات الشهود كلها تشير إلى احتمال وجود مُطلق نار ثانٍ، وظهر في فيلم زابرودر، أن كينيدي وموكبه في ساحة ديلي بلازا، يظهر رأس كينيدي يتحرك للخلف، مما يناقض فكرة أن جميع الطلقات جاءت من الخلف.

خلفية أوزوالد تزيد الغموض. فقد كان جنديًا سابقًا في مشاة البحرية، انشق إلى الاتحاد السوفيتي عام 1959 قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة مع زوجته الروسية. وعلاقاته الموثقة بجماعات مؤيدة ومعارضة لكاسترو، إضافة إلى حقيقة مراقبته من قبل الـCIA والـFBI قبل الاغتيال، مما جعل كثيرين يميلون للاعتقاد بأنه لم يتصرف بمفرده.

وأيدت آنا بولينا لونا، رئيسة فرقة العمل الجديدة المعنية برفع السرية عن الأسرار الفيدرالية مؤخرًا نظرية «مطلقَي النار»، متحدية الاستنتاج الراسخ للجنة وارن.

كما تسلط الوثائق الضوء على رجل يُدعى صمويل جورج كامينغز، تاجر أسلحة ذو صلات استخباراتية، وعمل كامينغز مع الـCIA كخبير أسلحة، وشارك في شراء وتوزيع الأسلحة الأجنبية، وتشير الوثائق إلى تعاونه مع وكالات استخبارات في الولايات المتحدة والخارج، بما في ذلك الاستخبارات الألمانية الغربية، وقد يكون لعب دورًا في صفقات أسلحة سرية تتعلق بعمليات مناهضة لكاسترو.

وشركة كامينغز التي تسمى International Armament Corporation (Interarmco)، كانت متورطة في تزويد جماعات المقاومة بالأسلحة، ورغم عدم وجود صلة مباشرة بين كامينغز واغتيال كينيدي، إلا أن أنشطته وصلاته بوكالات الاستخبارات أثارت التساؤلات حول الأحداث التي سبقت 22 نوفمبر 1963.

ولا يزال لغز آخر قائمًا وهو سبب قيام جاك روبي - صاحب ملهى ليلي في دالاس وذو صلات مزعومة بالجريمة المنظمة - بإطلاق النار على أوزوالد بعد يومين من الاغتيال، في حين زعم روبي أنه تصرف بدافع الحزن على كينيدي، يرى المشككون أنه كان يسعى لإسكات أوزوالد قبل أن يكشف مزيدًا من المعلومات.

محاكمة روبي ووفاته لاحقًا بسبب السرطان أثناء احتجازه زادتا الشكوك، مما زاد من دوائر الغموض بشكل أعمق، أن أحد الأطباء الذين عالجوه في السجن، لويس جوليون ويست، كان متورطًا في برنامج التحكم العقلي للـCIA المعروف باسم MKULTRA.

ولا تزال الأدلة المادية الرئيسية في قضية كينيدي مثيرة للجدل، وخاصة «نظرية الرصاصة السحرية»، التي تقترح أن رصاصة واحدة أصابت كلاً من كينيدي وحاكم تكساس جون كونالي، وهي النظرية التي تعرضت لانتقادات واسعة بسبب عدم معقوليتها.