كانت هذه المقولة «شعرة معاوية»، وما زالت، وستظل حكمة بالغة راسخة، تمثل سيرة حياة، وفلسفة عيش، ونموذج حكم من أروع النماذج، التي عرفها التاريخ الإنساني.
وإننا لا نبالغ إذا قلنا إنها تختزل في طياتها فلسفة قيادية حكيمة، تقوم على رسم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، في إطار من الموازنة بين الحزم والمرونة، وبين الشدة واللين.
سأل أعرابي معاوية - رضي الله عنه - يا أمير المؤمنين، كيف حكمت الشام عشرين عاماً أميراً، ثم حكمت بلاد المسلمين عشرين عاماً خليفة للمسلمين؟ فقال معاوية - رضي الله عنه: «لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حين يكفيني لساني، ولو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها».
هذه الشعرة الضعيفة والدقيقة والمخيفة معاً، ما كان معاوية ليتركها كذلك، بل جعل ينفخ فيها متانة وقوة وصلابة، حتى صارت صخرة قوية، تتحطم عليها الفتن، وتبني تلاحماً قوياً، وانصهاراً صلباً، جعل من الحاكم والمحكوم وحدة واحدة، تعمل في بناء المجتمع، وتحقيق الخير والسعادة للجميع.
وسر ذلك - في ظني- خلق «الحِلْم»، الذي بلغ فيه الغاية القصوى حتى كان يضرب المثل فيه.
والحِلْم هو التجاوز عمن بلغ القدرة على معاقبته.
قال قوم من قريش: «ما نظن معاوية أغضبه شيء قط».
قالوا: «بلى، إن ذكرت أمه غضب؛ فقال مالك بن أسماء المُنى (لجمالها) والله لأغضبنه إن جعلتم لي جُعلاً (جائزة) فأتاه وقد حضر معاوية الموسم»، فقال: «يا أمير المؤمنين، ما أشبه عينيك بعيني أمك. قال: تانك عينان طالما أعجبتا أبا سفيان؛ يا أبن أخي، انظر ما أعطيت من الجعل، فخذه ولا تتخذنا متجراً.
فرجع، فأخذ جُعله»؛ فقال له رجل: «لك ضعفا جعلك إن أتيت عمرو بن الزبير، فشبهته بأمه؛ فأتاه»، فقال: «ما أشبه وجهك بوجه أمك، فأمر به، فضرب حتى مات، فبعث معاوية بديته إلى أمه»، وقال:
«ألا قلْ لأسماءِ المُنى أم مالكٍ... فإني لعمرو الله أقتلتُ مالكا».